بقلم زهره الربيع

أبويا بلع ريقه بصعوبة، ونزل عينه في الأرض وهو مش قادر يبص في عينيا، وصوته طلع مخنوق زي ما يكون بيموت: “عمتك ماسكة عليا وصية أبويا يا بنتي.. الأرض والبيت اللي إحنا عايشين فيه ده، كله باسمها في الأوراق الرسمية.. أبويا الله يرحمه كتبلها كل حاجة بيع وشراء قبل ما يموت عشان يرضيها، وكان مستأمنها إنها تديني حقي شرعي وحقك وحق إخواتك.. بس عمتك مابتخافش ربنا يا بنتي! لو وقفت في وشها دلوقتي، هترميني أنا وأنتي وإخواتك في الشارع، هتاخد البيت وتطردنا، ومش هتعتقنا ولا هتسيب حد في حاله.. وعادل ابنها لو متجوزكيش، عمتك هتاخد الورث كله لبطنها وبطن ابنها.. أنا مكسور الجناح يا بنتي، حطيت راسي في الطين ومقادرش أقول لأ!”

​الكلام نزل عليا زي الصاعقة.. حسيت ببرودة في أطرافي وضربات قلبي بقت سريعة ورا بعضها زي ما أكون في كابوس مرعب ومش عارفة أصحى منه. الورث؟ الأرض؟ البيت؟ يعني مستقبلي وحلمي وطموحي، وكل سهر الليالي وتفوقي، تمنه شوية حيطان وحتة أرض؟ يعني أنا السلعة اللي أبويا بيقايض بيها عمتي عشان نفضل قاعدين في البيت؟

​قمت وقفت على رجليا وأنا مش حاسة بالدنيا، وبصيت لأبويا بنظرة كلها عتاب وكسرة، ودموعي نزلت شلالات: “تبيعني يا بابا؟ تبيعني لعادل الشمام عشان الأرض والبيت؟ طب وأنا؟ حلمي أنا إيه؟ ذنبي إيه أعيش عمر الخدامة لواحد صايع يضربني ويهينني، عشان خاطر حيطان؟ طب ما نمشي يابا! نمشي من هنا خالص.. أنا هشتغل في الوظيفة الجديدة دي، وهقبض مرتب محترم، وناخد شقة إيجار ونعيش بكرامتنا، بدل الذل ده!”

​أبويا هز راسه بيأس ودموعه

نزلت على وشه: “مش بالسهولة دي يا بنتي.. عمتك مش هتسيبنا في حالنا، دي قادرة وتلفق التهم، وتفضحنا وسط البلد كلها.. وعادل صايع وممكن يئذيكي في رايحك وجايك لو عنادتي.. يا بنتي اسمعي كلامي، وافقي على عادل واقبلي بالوظيفة دي في الأحلام وخلاص.. الستر يا بنتي.. الستر!”
​سبته وطلعت جري على أوضتي، قفلت الباب بالمفتاح وترميت على السرير، وصرخت صرخة كتمتها في المخدة عشان إخواتي الصغيرين ميصحوش على كابوسي. الدنيا ضلمت في وشي.. فتحت الموبايل وبصيت على إيميل القبول من الشركة.. الحلم اللي بقالي سنين بتمناه.. الكيان اللي كنت هبنيه.. كله اتمسح في لحظة بسبب الجهل والطمع والسيطرة.

​مرت الأيام عليا وأنا زي الجثة المحنطة.. لا باكل ولا بشرب، عيني على السقف ودموعي مبتقفش. عمتي مأخرتش وقت، تالت يوم كانت باعتة عادل ومعاه علبة شوكولاتة رخيصة، وداخل بيتنا حاطط رجل على رجل، لابس قميص مفتوح وسلسلة في رقبته، وعينيه دبلانة وريحة السجاير والشبرقة طالعة منه.

​أبويا نده عليا عشان أخرج، وخرجت وأنا لابسة عباية سودا وطرحة، وشي كان أصفر وزي الأموات. عادل بصلي بضحكة صفرا مستفزة وقال: “منورة يا عروسة.. فكّي الخشب ده بقى، ده إحنا دافنينه سوا! وعمتي قالتلي إنك كنتي عايزة تشتغلي؟ هههه.. شغل إيه يا قطة؟ أنا راجلي ميمشيش مراته في وسط الرجالة، إنتي هتقعدي في بيتي تخدميني وتخدمي أمي، ورجلك دي عتبة الباب مش هتعتبها.. والشهادة الكبيرة بتاعتك دي بليها واشربي ميتها، أو علقيها في المطبخ عشان تفتكري أيام الفضاوة!”

​كلامه كان بيستفز كل ذرة كرامة

جوايا.. كنت عايزة أقوم أجيبه من شعره وأطرده برة، بس بصيت لأبويا اللي كان قاعد منكس راسه في الأرض ووشه جايب ألوان من الكسرة والخوف.. كتمت غيظي وقهرتي وسكت، وحسيت إن روحي بتتسحب مني.
​في نفس الأسبوع، اتصلت بيا الشؤون القانونية والموارد البشرية في الشركة الكبيرة، عشان أروح أمضي العقد وأستلم الشغل. كلمتني الموظفة بأسلوب راقي جداً وقالتلي: “أستاذة زهرة، إحنا مستنيينك يوم الأحد الساعة 9 الصبح عشان تبدأي التدريب وتستلمي مكتبك.. ألف مبروك، الشركة فخورة بوجود حد بكفاءتك معنا.”

​قفلت الخط وأنا بموت.. يوم الأحد ده هو نفس اليوم اللي عمتي حددته عشان نكتب الكتاب فيه! كتب كتاب عادل الصايع! كانت مؤامرة من عمتي عشان تقفل عليا كل الأبواب ومتسيبليش فرصة أهرب أو أروح الشغل.

​يوم السبت بالليل، كانت الشقة مقلوبة.. عمتي جايبة قرايبها والستات وصوت الزغاريط طالع، بس الزغاريط دي كانت في ودني زي صوت صراخ في مأتم.. مأتم حلمي وشبابي. دخلت عليا عمتي الأوضة وأنا قاعدة على السرير زي الصنم، وبصتلي بلؤم وقالت: “وشك فقر ليه يا بت؟ افرحي.. ده عادل ابني ألف ست تتمناه، وهيستر عليكي.. وبكره تدعيلي لما تخلفي وتنسي كلام المكاتب والشركات اللي كان هيبوظ أخلاقك.”

​بصيتلها وقولت بصوت طالع من قاع بيري: “حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا عمتي.. ربنا مش هيسيب حقي.. لا منك ولا من ابنك.”

ضحكت ببرود وقالت: “ادعي يا حبيبتي.. الدعا مش بيفك عقود البيع والشراء اللي في جيبي! بكره كتاب كتابك، ورجلك هتتلم.. وعبد الرحمن أخويا هيفضل في بيته مستور..

وأنتي تمن الستر ده!”
​خرجت وسابتني في ناري.. قعدت أفكر.. هل هسلم رقبتي للسكينة بالسهولة دي؟ هل هسيب تعب سنيني يروح في الأرض وأعيش طول عمري جارية تحت رجل عادل ولامه الحرباية؟ لا.. أنا لازم أتصرف.. لازم يكون في حل!

​فتحت موبايلي بالليل والكل نايم، ودخلت على صفحة مستشار قانوني كبير في المحافظة بتاعتنا، كنت عارفاة من النت وبيقدم استشارات مجانية للحالات الإنسانية. بعتله رسالة طويلة عريضة حكيتله فيها كل حاجة.. قصة الورث، وتهديد عمتي لأبويا بعقود البيع والشراء، وإني مجبرة على الجواز عشان البيت، وحكاية الشغل اللي هيروح مني بكره الصبح.

​نمش والدموع في عيني، وصحيت الفجر على رنة مسج.. فتحت الموبايل ولقيت رد المستشار القانوني، وكلامه كان طاقة النور اللي فتحتلي باب الأمل من جديد!

المستشار كتبلي: “يا بنتي، عقود البيع والشراء اللي أبوكي بيقول عليها، لو كانت تمت في حياة جدك وما دفعش فيها عادل أو أمه تمن حقيقي، ولو كانت الوصية دي الغرض منها حرمان الورثة الشرعيين، فدي في القانون اسمها (عقود صورية) وبتتنقض في المحكمة فوراً! والأخطر من كده، لو العقود دي متمش تسجيلها في الشهر العقاري بشكل نهائي، فملهاش قيمة قصاد إعلام الوراثة الشرعي. قولي لوالدك يروح فوراً لمحامي، ومتوافقيش على الجواز ده.. الجواز بالإكراه باطل، ومتضيعيش مستقبلك.. تعالي شركتك الصبح واستلمي شغلك، ومحدش يقدر يلمسك.”

​لما قريت الرسالة دي، جسمي كله اتنفض.. الأمل رجع في عروقي تاني! قومت بسرعة غسلت وشي، ولبست أحسن طقم عندي للشغل، وحطيت ورق شهاداتي

في الشنطة.. الساعة كانت 7 الصبح.
لمحة نيوز
​خرجت الصالة ولقيت أبويا قاعد بيشرب شاي ووشه كله هموم.. وقفت قدامه بكل قوة وعزم، وقولتله: “صباح الخير يا بابا.. أنا رايحة استلم شغلي.”

أبويا وقف مخضوض: “شغل إيه يا بنتي؟! أنتي اتجننتي؟ عمتك جاية بالمأذون وعادل الساعة 12 الظهر! لو مشيتي هتهد البيت علينا!”

​قربت من أبويا ومسكت إيديه وقولتله بنبرة واثقة: “مش هتهد حاجة يابا.. عمتك بتخوفك بالباطل.. العقود اللي معاها دي عقود صورية وملهاش قيمة في القانون لأن مفيهاش دفع فلوس، ودي محاولة للنصب عشان تاخد حقنا.. أنا كلمت مستشار قانوني كبير وقالي الكلام ده.. إحنا لو سكتنا هنضيع، وأنا مش هكون الضحية.. أنا رايحة شغلي، وأنت امسك نفسك ومتمضيش على حاجة لحد ما أرجعلك ومعايا المحامي.”

​أبويا بصلي بذهول، والصدمة والأمل اختلطوا في عينيه: “بجد يا زهرة؟ الكلام ده بجد؟ يعني عمتك بتضحك عليا؟”

قولتله: “آه يابا.. بتستغل طيبتك وخوفك علينا.. خليك راجل قوي زي ما كنت دايماً، ومتخافش من تهديدها.. أنا هجيب حقي وحقك بشغلي وقيمتي.”

​سبت أبويا ونزلت جري على السلم، ولقيت نفسي بسبق الريح.. ركبت المواصلات ووصلت الشركة الكبيرة.. الشركة كانت عبارة عن برج عالي، والمكاتب نظيفة والناس داخلة وخارجة بكل احترام ورقي.. دخلت ومضيت عقدي، واستلمت مكتبي، والكل رحب

بيا.. حسيت إني رجعت للحياة تاني، وإن كرامتي اللي اتهانت رجعتلي في لحظة.
​الساعة جت 12 الظهر، وموبايلي مبطلش رن.. عمتي، عادل، وأبويا..

استأذنت من مديري لظرف طارئ، وأخدت معايا محامي زميل شغال في الشؤون القانونية للشركة، كان جدع جداً ولما حكيتله القصة قالي: “أنا جاي معاكي يا زهرة، وخليني أشوف عمتك دي هتعمل إيه بالقانون!”

​وصلنا البيت، وأول ما فتحت الباب.. لقيت الصالة مليانة.. عمتي ووشها مقلوب وعين شرار، وعادل قاعد لابس بدلة وشكله زي الأراجوز، والمأذون حاطط الدفتر قدامه، وأبويا قاعد على جنب ووشه أحمر.

​أول ما عمتي شافتني داخلة ومعايا راجل غريب ببدلة، وقفت وزعقت: “أهلاً يا ست الهانم! كنتي فين لحد دلوقتي؟ والمأذون قاعد بقاله ساعة! ومين الراجل اللي داخلة بيه ده؟ هي دي التربية يا عبد الرحمن؟!”

​المحامي اللي معايا اتكلم بكل هدوء وثقة: “يا فندم احترمي نفسك.. أنا الأستاذ أحمد، محامي الأستاذة زهرة ومحامي الشركة الكبيرة.. وإحنا جايين هنا عشان نحط النقط على الحروف.”

​عادل وقف ورفع صوته وصابعه في وش المحامي: “محامي إيه وبتاع إيه؟ دي مراتي وهنكتب الكتاب دلوقتي، والراجل ده يخرج بره!”

المحامي بص لعادل باحتقار وقاله: “لو ملمتش لسانك وصابعك ده، هعملك محضر تعدي وبلطجة في القسم دلوقتي،

وأنا عارف إنك سوابق وليك ملف.. فاقعد مكانك واسكت خالص.”
عادل خاف ورجع قعد وشه اتقلب.

​بصت عمتي لأبويا وزعقت: “شايف يا عبد الرحمن؟ جايبة محاميين في بيتك؟ ماشي.. الأوراق اللي معايا بكرة الصبح هتكون في المحكمة والشهر العقاري، وهطردكم برة البيت ده وأخليكم تشحتوا في الشوارع، والبلد كلها هتعرف إنك مشغل بنتك مع الرجالة!”

​هنا أنا وقفت وبصيت في عين عمتي بكل قوة وقولت: “أوراقك دي بليها واشربي ميتها يا عمتي! إحنا عرفنا إنها عقود صورية وملهاش أي قيمة قانونية، وجدي مبعلكيش حاجة بفلوس، وإعلام الوراثة هو اللي هيمشي.. وإحنا اللي هنرفع عليكي قضية حجر ونصب لو ملميتيش نفسك!”

​المحامي كمل كلامي وقال بصوت جهوري: “بالظبط كده يا مدام.. العقود اللي معاكي صورية، ولو استخدمتيها هتدخلي في قضية تزوير واستيلاء على حقوق الورثة.. ده غير إن الأستاذة زهرة موظفة محترمة في شركة حكومية واستلمت شغلها بكرامتها، وأي كلمة هتقوليها في حقها أو حق سمعتها وسط البلد، هعملك بيها محضر سب وقذف وتشنيع، وهيوديكي في داهية أنتي وابنك.. فخدي ابنك والمأذون واطلعي برة البيت ده فوراً!”

​عمتي وشها اتقلب أزرق في أخضر، وبصت لأبويا وهي بتترعش من الغيظ: “بقى كده يا عبد الرحمن؟ بتسيب بنتك والمحامي يطردوني من بيت أبويا؟”

أبويا

وقف لأول مرة، ورفع راسه بكل فخر وقوة، وبصلها وقال: “البيت ده بيتي وبيت ولادي يا عليه.. والظلم ليله قصير.. بنتي رفعت راسي ووعتني للحق.. خدي ابنك واخرجي بره بيتي، وملكيش دعوة بينا تاني.. وبنتي هتشتغل وهتبني مستقبلها، والناس كلها هتحلف بأدبها وشغلها المحترم!”
​المأذون لما لقى الخناقة كبرت وفيها محامين وقضايا، لم حاجته ودفاتره وقال: “يا جماعة الجواز ده باطل ومينفعش، أنا ماشي!” وخرج جري.

عادل بص لأمه بخوف وقهر وقال: “يلا يا أما من هنا.. دول شكلهم ناوين على شر!”

أخدت عمتي ابنها وخرجت وهي بتجر أذيال الخيبة والكسرة، ورزعت الباب وراها.. بس المرة دي الرزعة كانت إعلان لنهاية كابوس طويل وبداية حياة جديدة.

​أبويا جري عليا وأخدني في حضنه وبكى.. بكى من الفرحة ومن الراحة، وقالي: “سامحيني يا بنتي.. أنا كنت ضعيف وخايف عليكم.. أنتي اللي حميتينا وحميتي البيت بشطارتك وعقلك الكبر.. أنا فخور بيكي يا زهرة.. فخور بيكي يا قلب أبوكي.”

​بصيت لأبويا وابتسمت والدموع في عيني، بس المرة دي كانت دموع الفرحة والانتصار.. حسيت إن تعبي وسهر الليالي مرحش في الأرض، وإن ربنا سبحانه وتعالى مبضيعش أجر من أحسن عملاً.. الشغل مش مجرد فلوس، الشغل كيان، كرامة، وحماية للست قصاد أي حد يحاول يكسرها أو يستغل ضعفها.

. ومن اليوم ده، بدأت حياتي الحقيقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *