دفنوا امي لصابرين محمد
دفنا أمي بفلوس الجيران بعد ما عاشت عمرها كله تقول إنها مش لاقية تمن دوا الضغط… لكن بعد موتها بتلات تيام بس وأنا بنقل حاجتها لقيت حاجة تحت حتة صاج مصدية خلت رجلي متبقاش شايلاني.
والله العظيم لحد النهارده مش عارفة ألوم نفسي ولا ألومها.
أمي طول عمرها بتقول إن الحال على قده بتبيع فطاير وعيش في السوق يومين في الأسبوع وتلف على البيوت تساعد الستات في التنضيف عشان توفر حق الدوا والأكل
وكل ما أقولها يا أمي اشتري لنفسك حاجة عدلة.
كانت تضحك نفس الضحكة المكسورة اللي عمرها ما فارقت وشها وتقول
أنا كويسة يا بنتي أهم حاجة أنتِ تاكلي وتشبعي.
وكنت بصدقها.
كنت فاكرة فعلًا إن أمي ماعندهاش غير اللي في جيبها.
لحد اليوم اللي ماتت فيه.
أمي ماتت على سرير المستشفى وإيديها كانت ساقعة بشكل عمره ما هيفارق خيالي ورجليها كانوا ورمين من التعب والمرض.. وأنا قاعدة جنبها ماسكة إيدها وبقولها متسبنيش لكنها سابتني.
ولما دفناها والله العظيم ما كان معايا فلوس الجنازة كاملة.
الجيران هما اللي وقفوا جنبي واحد دفع تمن الكفن وواحد جاب الأكل وواحدة ساعدتني في مصاريف العزا.
وأخويا سامح كان أول واحد يسأل على البيت مش على أمي.
بعد الدفنة بيومين بس دخل عليا وقال
بصي يا هناء… البيت ده قديم وخربان نبيعه ونقسم تمنه وخلاص.
بصيتله كأني أول مرة أشوفه وقولت
إحنا لسه راجعين من المقابر.
مراته نهلة ضحكت وقالتهو يعني الست الله يرحمها كانت سايبة إيه؟ ده البيت واقع أصلاً.
ساعتها حسيت إن النار ولعت جوايا لكني سكت لأني كنت تعبانة وموجوعة ومكسورة.
ومن يوم ما أمي تعبت وأنا شايلة كل حاجة لوحدي أنا اللي كنت بجيب دواها وأكشف عليها وأبات جنبها في المستشفى.
أما أخويا فكان بيقول
انا معايش مليم اتصرفي أنتي.
وأحتفظت بكل الرسائل دي كل كلمة كل موقف كل إهانة. يمكن علشان جوايا كان حاسس إن يوم الحساب جاي.
وفي ليلة بعد العزا كنت قاعدة لوحدي في البيت. البيت كان ساكت بشكل يخوف.
ريحة القهوة البايتة لسه موجودة وطرحتها لسه معلقة ورا الباب.
وكأنها هتدخل دلوقتي وتقولي اعمليلي كوباية شاي يا بنتي.
ورغم إني كنت بموت من التعب فضلت ألف بعيني في البيت.
وفجأة عيني وقعت على مفتاح صغير جدًا مربوط فيه شريط أحمر.
المفتاح ده كان مع أمي طول عمرها وأنا صغيرة كنت أسألها
بيفتح إيه يا أمي؟
فتضحك وتقول
حاجات أحسن تفضل مقفولة.
افتكرت كلامها وحسيت بقشعريرة غريبة.
وفي اليوم اللي بعده وأنا برتب البيت المطر بدأ ينزل والسقف القديم بدأ يسرّب مية زي عادته.
طلعت أحط جردل تحت النقطة اللي بتنقط وساعتها لاحظت حاجة غريبة.
حتة صاج في السقف شكلها مختلف طلعت فوق الكرسي وبعدين فوق الترابيزة ومديت إيدي جوه الفتحة ولمست حاجة ملفوفة.
سحبتها وكانت علبة صاج قديمة متربة عليها قفل صغير.
قلبي كان بيدق بشكل مرعب طلعت المفتاح الأحمر وحطيته والقفل اتفتح من أول مرة.
فتحت العلبة ولقيت جواها دفتر بنك وظرف أصفر وصورة قديمة.
مسكت الصورة الأول والله العظيم إيدي كانت بتترعش.
لأن الست اللي في الصورة كانت أمي. بس مش أمي اللي أعرفها.
ست شيك جدًا. لابسة فستان أبيض وشعرها متظبط وحواليها ناس شكلهم من عالم تاني خالص.
قلبت الصورة ولقيت اسم عمري ما سمعته قبل كده. اسم مش اسم أمي.
ساعتها فتحت دفتر البنك وفي اللحظة دي حسيت إن روحي خرجت مني.
لأن الرقم اللي قدامي كان بالملايين. ملايين!أمي اللي كانت بتعد الجنيهات قبل ما تشتري الدوا.
أمي اللي كانت تقول معنديش. أمي اللي دفناها بتبرعات الناس.
كان عندها ملايين وقبل ما أستوعب اللي شوفته موبايلي رن.
كان أخويا سامح. رفضت أرد.
بعدها بثواني بعت رسالة صوتية. شغلتها وفجأة سمعت صوت مراته وهي بتقول من بعيد
هو لقى الصندوق ولا لسه؟
وفي نفس اللحظة سمعت أخويا يهمس بصوت خلّى الدم يتجمد في عروقي
صابرين_محمد
وسمعت أخويا يهمس بصوت خلّى الدم يتجمد في عروقي وهو بيقول
دور في السقف كويس يا نهلة… العلبة الصاج لازم تتجاب الليلة قبل ما هناء تفهم أي حاجة! أمي كانت مخبية ثروة عمرها هناك، والورق اللي جوة العلبة هو اللي هيخلينا نبيع كل حاجة ونقبض ملايين من غير ما البت دي تاخد مليم واحد!
ردت مراته بصوت مليان غل وشر
طب أفرض البت هناء لقتها قبلينا؟
رد سامح ببرود يرعب
هناء عبيطة وما بتفهمش، فاكرة أمها كانت شحاتة وماتت فقيرة… لو اعترضت أو شكت في حاجة، هنرميها برة البيت بالهدوم اللي عليها، وتغور في أي داهية، أصلاً هي ما تحيلتهاش تمن كفن أمها!
الرسالة خلصت… والصوت قطع.
فضل الموبايل في إيدي بيترعش، وصوت ضربات قلبي كان زي الطبول في ودني.
كنت واقفة في وسط الأوضة الضلمة، والمطر برة بيضرب في شباك الصاج بصوت يرعب، ومية السقف بتنزل نقطة نقطة على الأرض…
ساعتها بس فهمت! فهمت ليه أخويا كان بيسأل على البيت قبل ما يسأل على جنازة أمي، وليه مراته كانت بتقلّب في البيت كأنها بتدور على كنز مفقود!
نزّلت عيني للعلبة الصاج اللي كانت مفتوحة قدامي على الترابيزة.
مديت إيدي وبأصابع بتترعش، مسكت الظرف الأصفر القديم اللي كان جنب دفتر البنك.
فتحت الظرف… وطلعت منه ثلاث ورقات
الأولى كانت وصية ورسالة بخط إيد أمي.
والتانية كانت عقد ملكية رسمية مسجل بالشهر العقاري للبيت ولأرض كبيرة في البلد باسمي أنا لوحدي.
والتالتة… كانت تقارير طبية ومحاضر شرطة قديمة جداً!
قعدت على الكرسي الخشب، وفتحت
لمحة نيوز