بنت الشغالة

بنت الشغالة الغلبانة اللي عندها ٣ سنين صحيت نص الليل على صوت أنين ب يقطع القلب جاي من ورا الباب المقفول بتاع أوضة الملياردير.. ولما فتحت الباب، شافت منظر مرعب مكنتش تتخيله! الراجل اللي الكل ب يخاف من هيبته وفلوسه كان مرمي في الأرض وب يلفظ أنفاسه الأخيرة، والسر اللي خباه عن الكل السنين دي كلها بدأ ينكشف في اللحظة دي ب السير على رجلين طفلة صغيرة!
عمو.. أنا هنا جنبك م تخافش، فاطمة كانت لسه م كملتش ٣ سنين، ب بيجامتها الصفراء المتبهدلة اللي عليها رسومات بط صغنون باهت، كانت واقفة حافية على أرض الرخام الساقعة بتاعة الفيلا الأسطورية في التجمع الخامس، والمطر برة ب يرزع في الشبابيك الإزاز كأن فيه حد ب يحدف طوب من السما، في الوقت ده، مامتها مريم كانت واقفة في أوضة الغسيل ب تطبق الملايات، عينيها كانت حمرا من التعب ومكنتش ضاقت النوم بقالها ٣ أيام، مريم عندها ٣١ سنة، بس اللي يشوف إيديها يقول ست عجوزة؛ خشنة من كتر الكلور ومتبهدلة من لسعات المكواة، وشايلة شقا دنيا م ريحتهاش يوم واحد، جت من بلدها في الصعيد على القاهرة ب شنطة هدوم مقطوعة، غيارين ليها ول بنتها الرضيعة اللي أبوها سابهم واِختفى لما البنت كملت ٤ شهور، خرج الصبح وم رجعش تاني، ومن يومها مريم اِتعلمت م تستناش حاجة من حد، ل حد ما قرأت الإعلان ده مطلوب عاملة مقيمة ل منزل راقي، راتب مجزي، إقامة كاملة، ويسمح ب وجود طفل واحد، السطر الأخير ده كان بالنسبة لها طوق نجاة، الفيلا كانت ملك رأفت الجارحي، رجل أعمال عنده ٤٣ سنة، صاحب شركات مقاولات وفنادق، ونص البلد ب تتكلم عن ثروته، صورته دايما على أغلفة مجلات البيزنس، وشه ناشف، لبسه شيك جداً، ونظرته ب تخترق البني آدم من غير ما تشوفه، أول ما مريم شافته قالت في سرها الراجل ده شكله م ب يعرفش يضحك واِصل، وعلى مدار ٨ شهور

شغالة عنده، اتأكدت إنها صح، رأفت مكنش قليل الأدب مع حد، بس كان غايب، ب يمشي في بيته كأنه خيال مآتة ب بدلة غالية، أوامره سريعة وقصيرة، ب يأكل لوحده، ب يسهر في مكتبه للفجر، وعنده شرط واحد في الفيلا الكل ب يردده ب الخوف بعد الساعة ٩ بليل، محدش يخطى ناحية الجناح الشرقي خالص!
الست أمينة المشرفة على البيت قالت ل مريم أول ما استلمت الشغل دي أوامر رأفت بيه يا بنتي، وإحنا هنا اِتعلمنا م نسألش ليه عشان لقمة عيشنا، ومريم م سألتش، مكنش عندها رفاهية إنها تخسر الشغلانة دي، دنيتها كلها اِتخصرت في مسح الأرضيات اللي ب تبرق، وغسيل الكاسات الغالية، وإنها تخلي فاطمة دايما ساكتة في الأوضة الصغيرة اللي جنب المطبخ، وتصمد كل قرش عشان تأجر شقة صغيرة تلمهم، بس الليلة دي، فاطمة صحيت مفزوعة على صوت رعد زلزل الفيلا، مدت إيدها الصغيرة ب تدور على مامتها لقت السرير فاضي، م عيطتش، فاطمة من نوع العيال اللي لما ب تخاف ب تسكت وتراقب، كأنها عوزة تفهم الدنيا الأول، نزلت من السرير وخرجت للممر، كانت عوزة تروح المطبخ عشان مامتها ب تديلها لبن دافي لما المطر ب يشتغل، بس دخلت في حتة غلط، وبدل ما تمشي ناحية نور أوضة الغسيل، مشيت في الممر الطويل الضلمة بتاع الجناح الشرقي، كل حاجة هناك كانت غريبة؛ السجاد التقيل ب يبلع صوت خطواتها، الحوائط عليها لوحات غامقة ب تخوف، والأبواب ضخمة وأوكرها الدهب ب تلمع ب الخفوت تحت اللمبات السهاري، وفجأة، سمعت الصوت ده، صوت واطي، كأنه كتمة نفس أو أنين طالع من قعر بير، فاطمة وقفت قدام الباب الأخير، وحطت ودنها الصغيرة على الخشب، الصوت اتكرر تاني؛ نهجة غريبة، وصوت راجل مكسور ب يعيد كلام مش مفهوم، البنت م فكرتش في الأوامر ولا العقاب، ولا إن الحتة دي ممنوعة، كل اللي جه في بالها حاجة واحدة فيه حد زعلان جوة، وراحت زاقة الباب ب إيدها الصغيرين.
الأوضة كانت واسعة ب شكل مرعب، والمطر ب يجري على الزجاج بطرطشة غريبة، والستائر التقيلة ب تتهز مع التكييف، وجنب السرير، مرمي على الأرض، كان رأفت الجارحي، مكنش باين عليه إنه الملياردير صاحب الهيبة، كان ب يبان كأنه راجل ب يموت لوحده ومحدش حاسس بيه، قميصه الأبيض مفتوح من عند الرقبة، وشه غرقان عرق، إيده عاصرة صدره ب الوجع، وشفايفه بدأت تزرق، فاطمة مشيت تلات خطوات، ونزلت على ركبها جنبه، وحطت كفها الصغير الدافي على خده عمو.. أنا هنا، رأفت فتح عينيه ب العافية، وفي أول ثانية مكنش مستوعب هو ب يشوف إيه؛ طفلة صغيرة، منكوشة، ملامحها بريئة وب تبص له ب كل ثقة ومن غير ذرة خوف، همس ب التعب التليفون.. على الترابيزة، فاطمة جابت الموبايل من على الكومودينو ب إيديها الاتنين وقربته منه، بس صوابع رأفت كانت ب تترعش ب غباء وم ب تقواش تمسكه، البنت سألته ب براءة أنادي ماما؟، هو يدوب قدر يهز راسه ب الإيجاب، وفي اللحظة دي، فاطمة خدت نفس عميق وصوتت ب كل عزم ما فيها يا ماماااا! عمو تعبان أوي!، الصرخة دي شقت السكون المرعب بتاع الفيلا، مريم سابت الملايات من إيدها، وحست إن دمها اتجمد في عروقها من الخضة، جريت وم ب تفكرش، وم بقتش عارفة هي وصلت الجناح الشرقي ده إزاي، تتبعت صوت بنتها وزقت الباب، ولما دخلت، شافت المشهد اللي هيقسم حياتها نصين بنتها واقفة سليمة ومفيهاش خربوش، ورأفت الجارحي مرمي في الأرض وب ينازع عشان يلقط النفس!
يا ترى رأفت الجارحي ب يموت ب جلطة عادية ولا فيه حد من قرايبه حط له حاجة في العصير عشان يخلص من الإمبراطورية بتاعته؟ وإيه السر المرعب اللي مريم هتشوفه في تليفون رأحي لما يقع في إيدها وهو غايب عن الوعي، والسر ده ب يخص بنتها فاطمة ب الذات؟ وإزاي الليلة دي هتكون بداية ل لعبة انتقام كبيرة هتخلي الشغالة الغلبانة هي الكل في الكل في البيت ده؟
مريم جريت ناحية رأفت وهي مرعوبة، ركعت على الأرض والرجل بينهج كأنه بيغرق.
وشه كان شاحب بطريقة تخوف، وإيده بتدور حوالين رقبته وصدره بعجز.
صرخت حد يجيب الإسعاف بسرعة!
لكن رأفت مسك طرف هدومها فجأة.
قبضته كانت ضعيفة لكنها مليانة رعب.
همس بصوت متقطع م… محدش يعرف.
مريم اتسمرت.
إيه؟!
رأفت بلع نفسه بالعافية مش مستشفى الجارحي.
وفجأة عينه راحت ناحية الباب، كأنه خايف حد يدخل عليهم.
في اللحظة دي، مريم فهمت إن الموضوع مش جلطة عادية.
فيه حد في البيت ده
عاوزه يموت.
مريم خدت قرارها في ثانية.
بعتت أمينة تجيب دكتور قديم كانت تعرفه من برة العيلة، وساعدت رأفت يطلع على السرير بعيد عن عيون باقي الشغالين.
أما فاطمة
فكانت واقفة جنب السرير ماسكة صباع رأفت الصغير بإيديها الاتنين.
وبكل براءة قالت م تخافش يا عمو ماما بتعرف تصلح الناس.
رأفت بص للبنت
ولأول مرة من سنين، عينه دمعت.
لأن مفيش حد في البيت ده كان بيلمسه بحنية من غير مصلحة.
بعد ساعة
الدكتور خرج من الأوضة ووشه متكهرب.
شد مريم على جنب الراجل ده متسمم.
قلب مريم وقع.
إيه؟!
الدكتور بص حواليه بخوف فيه مادة بطيئة المفعول بتتاخد على جرعات صغيرة من فترة، كانت هتوقف عضلة القلب الليلة.
مريم حست إن رجلها مش شايلينها.
وفي اللحظة دي
افتكرت حاجة.
العصير اللي كانت بتجهزه كل ليلة سحر مديرة البيت الجديدة بنفسها لرأفت.
الست اللي دخلت البيت من سنة بعد ما بقت خطيبته.
الست اللي عينيها كانت بتلمع كل ما حد يجيب سيرة الورث.
لكن المصيبة الحقيقية
بدأت لما تليفون رأفت وقع من على السرير.
الشاشة نورت.
وفاطمة الصغيرة مسكته وجريت لمامتها ماما فيه صورة!
مريم خدت التليفون
واتجمدت.
الصورة كانت قديمة.
صورة ليها هي.
من ٤ سنين.
شايلة فاطمة وهي رضيعة.
وفيه ملف كامل باسم مريم عبدالحليم.
إيديها بدأت تترعش.
فتحت الملف.
لمحة نيوز

ولقت تحريات كاملة عنها.
عنوانها القديم في الصعيد.
اسم جوزها الهارب.
شهادة ميلاد فاطمة.
وصورة
لراجل كانت فاكرة إنها عمرها ما هتشوفه تاني.
حسام.
أبو فاطمة.
لكن الصدمة خبطتها لما قرت السطر اللي تحت الصورة
حسام عبدالجبار الجارحي الأخ الأصغر لرأفت الجارحي.
الدنيا لفت بمريم.
فاطمة
تبقى بنت أخو رأفت.
يعني البنت الصغيرة دي
من دم العيلة.
قبل ٤ سنين، حسام كان شاب مختلف عن رأفت.
هادي.
طيب.
وقع في حب مريم لما كان بينزل الصعيد يتابع مشروع.
اتجوزها عرفي في السر خوفًا من أخوه الكبير.
ووعدها يرجع ياخدها رسمي.
لكن بعد حملها بشهرين
اختفى.
ومحدش رد عليها بعدها.
مريم افتكرته باعها وهرب.
لكن الحقيقة
كانت أوسخ بكتير.
لما رأفت فاق الفجر، مريم كانت قاعدة قدامه والتليفون في إيدها.
قال بتعب عرفتي.
قالتها بعين مليانة دموع وغضب أخو حضرتك فين؟
رأفت غمض عينه كأنه

بيتعذب ميت.
قلبها وقف.
رأفت كمل حسام مات من ٣ سنين في حادثة عربية.
مريم شهقت.
لكن رأفت بص لها بنظرة كلها ذنب وماكانتش حادثة.
السكوت بقى مرعب.
سحر خطيبتي لما عرفت إن حسام هيتجوز ويطالب بنصيبه ويسيب له وريث خلصت منه.
مريم حطت إيدها على بقها.
ورأفت دموعه نزلت لأول مرة أنا اكتشفت الحقيقة متأخر ومن ساعتها وأنا بدور عليكي وعلى البنت.
بص لفاطمة اللي نايمة على الكنبة الصغيرة ولما لقيتكم جبتك الشغل هنا عشان أحميكم من بعيد.
مريم بصت له بصدمة يعني أنت كنت عارف؟
هز راسه فاطمة آخر حتة من أخويا.
لكنهم ماكانوش لوحدهم.
سحر كانت واقفة برة الباب
وسمعت كل حاجة.
تاني يوم الصبح
البيت كله اتقلب.
فاطمة اختفت.
مريم جنت.
كانت بتجري في الممرات تصرخ باسم بنتها.
ورأفت رغم تعبه نزل يدور بنفسه.
لحد ما وصلته رسالة من رقم مجهول
لو عاوز البنت عايشة امضي التنازل عن كل الأسهم.
رأفت عرف فورًا.
سحر.
لكن سحر كانت غبية.
افتكرت رأفت رجل أعمال بس.
ماعرفتش إنه طول عمره بيبني إمبراطورية كاملة من الشك والخوف.
في خلال ساعة
رجال الأمن بتوعه كانوا قافلين كل مخارج القاهرة.
والتليفون اتحدد مكانه.
مخزن قديم على طريق السويس.
رأفت راح بنفسه.
ومريم كانت معاه.
ولما الباب اتفتح
لقوا فاطمة مربوطة على كرسي وبتعيط في صمت.
أول ما شافت مامتها صرخت ماما!
مريم جريت حضنتها وهي بتنهار.
أما سحر
فكانت واقفة والمسدس في إيدها.
وشها متحول لجنون كل ده عشان شغالة وبنتها؟!
رأفت بص لها بقرف لأ عشان دي آخر حاجة نظيفة باقيالي من أخويا.
سحر ضحكت بعصبية وأنت فاكر هسيب كل حاجة تضيع؟!
لكن قبل ما تضغط الزناد
صوت رصاصة دوّى.
المسدس وقع من إيدها.
ورجالة الأمن دخلوا جري.
وسحر اتحاصرت.
وهي بتتسحب للشرطة كانت بتصرخ الثروة دي حقي!
ورأفت رد ببرود مرعب الفلوس اللي تتبني على الدم بتغرق صاحبها.
بعد شهور
القصر اتغير.
لأول مرة بقى فيه ضحك.
صوت كرتون في الصالة.
ولعب صغيرة على السجاد الغالي.
فاطمة بقت تجري في الجنينة وهي تصرخ عمو رأفت! بصيلي!
ورأفت
الراجل اللي الناس كلها كانت بتخاف منه
بقى يضحك من قلبه لما البنت تنط في حضنه.
أما مريم
ففي يوم كانت واقفة في المطبخ، ورأفت دخل بهدوء وقال أنا عارف إن الجراح مبتخفش بسهولة.
بصت له من غير كلام.
كمل بس أنا عاوز أصلح اللي أقدر عليه.
ومد لها ظرف.
فتحته
ولقت عقد بيت باسمها.
وحضانة وتعليم ومستقبل كامل لفاطمة.
قال بهدوء دي مش صدقة دي حقوق بنت أخويا.
مريم دموعها نزلت.
ولأول مرة من سنين
حست إن الدنيا يمكن تبطل قسوة شوية.
وفي ليلة مطر شبه الليلة الأولى
فاطمة كانت نايمة بين مريم ورأفت على الكنبة الكبيرة.
البنت فتحت عينها نص فتحة وهمست بنعاس إحنا بقينا عيلة؟
رأفت بص لمريم
ومريم بصت للبنت.
وبعدين شدوا الغطا عليها سوا.
وقالوا في نفس اللحظة أيوة يا قلب العيلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *