جمر الهيام نورهان محسن
رواية جمر الهيام
بقلم نورهان محسن
الجمرة الأولى
في شقة صغيرة تتألف من غرفتين وصالة، بشرفة ضيقة تطل على شارع فى حى شعبى، ومطبخ وحمام بالكاد يسع شخصًا واحدًا، وقفت شهد أمام باب الحمام، تضر,ب بكفها على الخشب المتهالك بنفاد صبر، وصوتها الحانق يعلو في أرجاء الشقة: خلص يا زفت الطين يا عاصم! بقالك سنة جوا! دا انت كلك على بعضك قد الصابونة!
قبل أن يأتيها أي رد من الداخل، شعرت بحركة خلفها، فاستدارت لتجد ضي، ابنة خالتها الصغيرة، تقف أمامها بكامل زيها المدرسي المرتب، وشعرها الأسود الناعم مربوط إلى الخلف في ضفيرة متقنة، ووجهها الطفولي يحمل مزيجًا من الهدوء والتوجس.
ضي بصوت ناعم، وهي ترفع حاجبيها باندهاش: هو لسه ماخرجش؟
رمقتها شهد بنظرة سريعة قبل أن تقول بامتعاض: لبّستي وسرّحتي شعرك يا ضي، والمحروس أخوكي مذنبني هنا!
وضعت يدها على خصرها، وهتفت بغضب: انت يا حيوان للي جوه هتأخر علي الامتحان!
من عند باب الغرفة، ظهر هشام، شقيق ضي، ولد صغير لا يتجاوز العاشرة، بوجه طفولي يحمل مكرًا لا يليق بسنه، هتف متذمرًا وهو يتثاءب: امتحانك الساعة 10 وإحنا لسه 7 ونص! إيه الاستعجال اللي انتي فيه ده؟
شهد بحنق وهي تلوّح بيدها: خليك في حالك يا هشام، بدل ما أجي أفش غلي فيك يا زعبولة انت التاني! هلاقيها منك ولا من حموكشة اللي جوه؟!
من خلف الباب المغلق، أتاها صوت عاصم المشاغب، مفعم ببرود مستفز: أهو علشان الأسامي اللي مطلعها علينا يا شهد وخليتي العيال في المدرسة والشارع بقت تنادينا بيها، مش خارج غير لما تتأسفي!
رفعت حاجبيها في تهكم، وضر,بت الباب بكفها بقوة: ها، ضحّكتني والله! وأنا ماليش مزاج! هتخلص ولا أكسر الباب فوق نافوخك؟
عاصم بإصرار مستفز: مش طالع! مش طالع!
ضيقت عينيها بدهاء، وألقت بكلماتها ببطء مقصود: لو ماطلعتش وديني لأكون جايلك وفضحاك في الفصل! هقول لكل العيال إني أنا اللي بحل لك الواجب! وأنت عارفني أعملها مايفرقليش!
في ثوانٍ، انفتح الباب بعن,ف، وخرج عاصم مشعث الشعر، وجهه ممتقع بالغضب، وقال بتهكم: اديني طلعت! إيه هتذلّينا عشان بتحليلنا الواجب؟ انتي أصلًا فاشلة وإجاباتك كلها غلط
قهقه هشام بمكر وهو يتقدم من عند الغرفة: وبعدين إحنا كمان ممكن نفتن عليكي ونقول إنك بتوقفي مع شلة البنات أصحابك قدام المدرسة، وبتحطوا روج وبودرة عشان الشباب يعاكسوكم!
تحولت نظرات شهد إلى شرسة في لحظة، أمسكته من قفاه، فجفل الصغير وحاول الإفلات، لكنها شدته بقوة وهمست بصوت منخفض لكن مُهدد: وله يا هشام، حسك عينك تفتح بُقك، وإلا… إنت عارف أنا هعمل إيه ماشي؟ ولا تكون نسيت آخر مرة؟!
بسرعة خاطفة، تملص منها وانطلق إلى داخل الحمام، قبل أن يغلق الباب بضحكة منتصرة، فهتفت شهد من خلفه بحنق: أنا عايشة مع قُرود! وله يا هشام، يا ابن الجزمة!
أتاها صوت خالتها المتهكم: أنا جزمة؟ يا شبشب زحافي، يا بنت سندس!
رفعت يديها في الهواء بيأس، واستدارت نحو الصالة حيث جلست خالتها زينب ووالدتها سندس على الأرض التى كانت منهمكة في طيّ الملابس، دون أن ترفع نظرها، لكنها هتفت بضيق: كفاية دوشة على الصبح يا شهد صدعتوني!
نفخت شهد خدودها بانزعاج، ووضعت يديها على خاصرتها، قبل أن تتمتم ساخرة: دا اللي باخده منكم في البيت ده! توب عليا يا رب من العيشة دي، وارزقني بواحد جته كده كتاف بعضلات واسمريكا يدلعني
أخرج عاصم لسانه لها ساخرًا: أحلام الفتاة الطائشة!
لم تعره انتباهًا، وإنما التفتت إلى ضي التي تنهدت قائلة: على ما يطلع، تعالي أسرح لك شعرك قبل ما تلبسي الطرحة يا شهد!
نفضت إحدى خصلات شعرها الطويل إلى الخلف، قبل أن تتبعها، وهي تهمهم بين شفتيها بكلمات ساخطة لم يسمعها أحد!
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
خرجت شهد من باب البيت بخطوات متمايلة، محاطة بأبناء خالتها الذين يملؤون الجو ضجيجًا وضحكات، الهاتف بين يديها، وعيناها مثبتتان على شاشته، كأن العالم قد انكمش داخل تلك المستطيلة الصغيرة، بينما تمشي بخفة عذبة يشي بها ثني خصرها ورنين ضحكتها المكتومة.
وفجأة أحسّت بظلٍّ يغمرها، ثم وصل إلى مسامعها صوتٌ أجشّ مرحٌ يحفظه قلبها: يا صباح النشاط والهِمّة! عاملين إيه يا وحوش؟
أجاب عاصم بلهفةٍ لا تخلو من الفخر: زي الفل، الحمد لله يا معلم جلال
رفعت شهد عينيها نحوه خلسة، فوقع بصرها على قامته الشامخة وملامحه التي يكسوها الصرامة، في وسامةٍ فتاكة تُرهق القلب وتستبيح الحواس، بينما يتحدث مع الأطفال بجديةٍ مرحة، فازدادت مهابته في عينيها.
ضحك جلال بصوتٍ أجشّ يحمل الحزم والمرح معًا: اسمعوا يا عيال… مفيش عك في الامتحان، كل واحد يركز ويحلّ على بركة الله
قال عاصم وهو يحك رأسه بلا مبالاة: أنا هخش أهبد اللي يجي في مخي علي ورقة الامتحان… المهم ننجح والسلام
رفع جلال حاجبيه محذرًا: مفيش منه الكلام ده، اللي هيجيب نتيجة أعلى من أخوه… ليه عندي مكافأة علي فرازة
هشام بحماس: بتتكلم جد يا معلم؟
ابتسم جلال ابتسامةً خفيفة، وقال بثقة: من امتي بهزر في الحاجات دي؟ شدّوا حيلكم، وأنا عارف نصاحة ولاد زينب مايتخافش عليكو
ثم على حين غرّة، تحرّك بصره نحوها، ممَ جعلها ترتبك من نظراته الثاقبة، فرفعت هاتفها لتُخفي ارتجافة أصابعها، لكن قلبها كان يضجّ في صدرها كطبول حرب.
اقترب منها بخطواتٍ وئيدة حتى صار فوق رأسها، التقط بصره خصلات شعرها المنفلتة من أسفل الطرحة، فقال بصوتٍ خافتٍ حاد: كام مرة اقول تلفي الطرحة عدل… والكام شعرة للي فرحانة بيهم دول تداريهم، ولا فاكرة نفسك بتتمشي في صالة بيتكو يا ست شهد!!!
أسرعت تُصلح طرحتها بارتباك، ثم رفعت إليه عينيها الواسعتين، وفيهما خليط من التحدي والتوتر، وردت بلهجةٍ تحمل دلالًا فطريًا: احلفلك بايه انها بتتزحلق من علي راسي من غير ما اخد بالي..
تحدث بصرامة: لا تحلفيلي ولا احلفلك، للي ربي خير من للي اشتري، وانتي تربية ايدي وحافظك
ثم أشار إلى الهاتف في يدها، وقد ازدادت نبرته غلظة: وبدل ما ترجعي قبل الامتحان، مبحلقة في الزفت ده وانتي ماشية!؟ آخر مرة أشوفك ماشية بيه كده، ولا هفرمهولك حتت تحت رجلك…
تعالت ضحكات أبناء خالتها في خبثٍ طفولي، فأحسّت شهد بغصّةٍ في صدرها، كادت دموعها تفرّ من شدّة قسو,ته، لكنها تماسكت وأجابت ببرودٍ مصطنع: مش محتاجة حد يعلّمني إزاي أمشي ازاي واعمل ايه؟ انا مابقتش عيلة صغيرة..!!
تجلّى العناد في صوتها، وارتسمت ابتسامة صغيرة عند طرف شفتيها ما بين الاستفزاز والأنوثة، حدّق فيها بعينين تتقدان صرامة، تلك النظرة التي جعلت الدم يتجمد في عروقها، فأطرقت رأسها سريعًا هاربةً من أسهم نظراته.
وفي اللحظة ذاتها، خرجت صديقتها نوارة من بيتٍ مجاور، متزينة بابتسامة واسعة، وما إن وقعت عيناها على جلال حتى أشرقت أكثر.
اقتربت بخطوات متلاحقة، وألقت عليه السلام بصوتٍ ملؤه الدلع، وقد غاص في عينيها بريق إعجاب لم تحاول أن تخفيه: صباح الشهد عليك يا معلم جلال
ابتسم جلال وأجابها بودٍّ بسيط:
صباح النور علي نوارة حارتنا
لم تحتمل شهد كأن شرارة الغيرة انطلقت في أعماقها، فاقتربت بخفة، وضر,بت ذراع نوارة بخفة خفيّة لم يلحظها أحد، وكأنها إشارة إنذار لا تريد أن تُفهم علنًا، ثم أمسكتها من يدها بقوة، وجذبتها لتسير بجوارها.
أما جلال، فقد ظل واقفًا في مكانه، عيناه تتابعانها حتى ابتعدت، وفي قلبه نا,رٌ لا يملك لها اسمًا، يخفيها تحت قناع الهيبة والبرود.
التفتت نوارة في حيرة، بينما شهد تمشي مسرعة، وجهها محتقن بالغضب المكتوم، أنفاسها مضطربة: كل ده عشان تنزلي!!!
قالت نوارة وهي تلهث بجانبها: ما انتي عارفة مواويل امي للي علي الصبح، سيبك مني، هو ايه اللي حصل؟ الجو كان مكهرب كده ليه؟ هو قالك حاجة؟!
تساءلت نوارة بريبة، فدمدمت شهد بحنق، وهي تشيح بوجهها: ولا حاجة… فكك
ثم أضافت في غيظٍ مكتوم: بس انتي مش هتبطلي استعباط ومرقعة يا نوارة؟ مالك سهتانة علي نفسك كده ليه يا اوخا!!
نفخت نوارة باستياء: يوووه انا عملت حاجة، وانا مالي اصلا هو ينغزك بكلمتين في جنابك كالعادة، وتيجي تطلعيهم عليا!!
صمتت شهد لحظة، ثم تمتمت بحزن حائر: اه بس لو اعرف ايه مشقلب حاله عليا بالمنظر ده، ده بقي مسكلي علي الواحدة اكتر من الاول!!
ضحكت نوارة بخبث: يا بت هتعمليهم عليا!! كل ده ولسه علي قلب زي العسل ولا نسيتي كلا..
لكنها لم تُكمل، فقد شدّت صديقتها من مرفقها وهمست من بين اسنانها: وطي صوتك حد من العيال يسمعك، يلا امشي متأخرين
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
خرجت شهد من بوابة المدرسة بخطوات سريعة، حقيبتها المدرسية تتأرجح على كتفها، وهى تضحك مع صديقتها، والهواء يعبث بطرحتها البيضاء.
على الرصيف المقابل، كان يقف رجل ملامح وجهه شاحب وعيناه غائرتان، تجمدت شهد مكانها، قبل أن تهمس بتفاجؤ:….
يتبع…
رواية جمر الهيام
بقلم نورهان محسن
الجمرة الثانية
خرجت شهد من بوابة المدرسة بخطوات سريعة، حقيبتها المدرسية تتأرجح على كتفها، وهى تضحك مع صديقتها، والهواء يعبث بطرحتها البيضاء.
على الرصيف المقابل، كان يقف رجل ملامح وجهه شاحب وعيناه غائرتان، تجمدت شهد مكانها، قبل أن تهمس بتفاجؤ: بابا؟
ركضت نحوه كطفلة فقدت أمانها منذ زمن، وألقت بنفسها بين ذراعيه، عانقته بصدق، بينما هو يربت على ظهرها ببطء، كأن الأمر لا يعنيه بذات القدر، لكنها لم تلحظ بروده، بينما عيناها تلمعان بالفرح، وصوتها يرتعش من الشوق: وحشتني اوي يا بابا… ايه المفاجأة الحلوة دي جيت امتي من البلد؟!
ابتسم ابتسامة باهتة، وقال بصوت مجهد: انتي كمان وحشتيني يا شهد… انا مابقاليش كتير واصل، طمنيني عليكي صحتك كويسة
أمسكت بيده بحماس طفولي، وعيناها تلمعان كما لو أنها وجدت كنزها الضائع: ايوه الحمدلله، تعالي نتمشى شوية، نفسي أكلم معاك في حاجات كتيرة
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
جلسا معًا على مقهى مطل على النيل، كانت شهد تتحدث بلا توقف؛ عن دراستها، عن امتحاناتها، عن خالتها وضيّ وأخواتها الصغار، حتى عن أحلامها في المستقبل، كان قلبها أخف من الريشة، ولسانها لا يعرف التوقف.
أما خليل فكان يبتسم ويهز رأسه أحيانًا، لكن عيناه تراقبانها بصمت غامض، كل حركة صغيرة منها، كل التفاتة، كل ضحكة، كانت كافية لتثير داخله شيئًا مريبًا لم تفهمه ابنته المندفعة في براءتها.
بعد ساعتين من الحديث المتواصل، أخرجت شهد هاتفها، فوجدته بلا شحن، ابتسمت ببراءة، وقالت: ممكن تليفونك يا بابا؟ أكلم ماما أطمنها إني معاك نسيت خالص اتصل بيها وزمانها قلقانة اني مارجعتش لدلوقتي
تصلبت ملامحه للحظة، قبل أن يجيب سريعًا: تليفوني كمان فاصل… وبعدين احنا شوية ونمشي عشان ورايا مشاوير مهمة
ترددت شهد قليلًا، لكنها سرعان ما ابتسمت بعدم اكتراث مطمئنة: ماشي… بس أوعدني نكرر الخروجة دي تاني بعد الامتحانات
خليل بابتسامة: أكيد يا شهد… أكيد
❊❊❊
في السيارة
جلست شهد تغني لنفسها بصوت منخفض، وهى تنظر إلى خليل الذى كان يشترى مشروبًا من إحدى البائعة وحين صعد السيارة يمدّ إليها كوبًا بلاستيكيًا: الحلبيسة اللي بتحبيها اشربيها قبل ماتبرد
تناولت الكوب بضحكة خفيفة:
والله كانت نفسي رايحالها بقالي كام يوم، ماقولتليش يا بابا جبت العربية الحلوة دي منين
خليل بهدوء: اخدتها من واحد صاحبي اعمل بيها مصلحة وارجعهاله
بعد قليل تثاقلت جفونها، وبدأت الرؤية تتماوج أمام عينيها، ارتجف قلبها في صدرها، وخرجت كلماتها متقطعة: بابا انا معرفش ليه حاسة بنعسان…؟
انطفأ صوتها تدريجيًا، وغرقت في عتمة ثقيلة، تاركة خلفها آخر ما تتذكره ابتسامة باردة على وجه والدها.
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
لمح جلال الطفلين جالسين على عتبة السلم أمام العمارة، عيونهم متوجسة ووجوههم شاحبة، توقّف عندهم وسأل بضحك: إيه يا واد إنت وهو، قاعدين مابتلعبوش زي عوايدكو، اكيد ماحلتوش كويس في الامتحان؟
رفع عاصم عينه، وقال بصوت متوتر: مستنيين شهد تيجي.
قطّب جلال حاجبيه، ونظر للساعة في معصمه، ثم سأل باستنكار: ليه هي فين دا كله؟ الساعة داخلة على خمسة بعد المغرب!
أجاب هشام وهو يحرك قدميه باضطراب: مانعرفش… المفروض خلصت امتحانها من بدري ورجعت على البيت، بس بنتصل عليها مابتردش
قبل أن يستوعب جلال الكلام، نزلت سندس مسرعة، صدرها يعلو ويهبط من اللهاث، وخلفها زينب بملامح يكسوها الانزعاج. أشارت زينب للأطفال بسرعة وقالت بحزم: وله يا عاصم، خد أخوك واطلعوا فوق اقعدوا مع ضي لحد مانرجع، ماتنزلوش غير وإحنا موجودين… سامعين؟
رمقهم جلال باستفهام وقلق وسأل: خير يا جماعة؟ ايه الحكاية؟
أجابته زينب بصوت يقطر توترً: مش خير يا جلال… مش خير خالص، البت شهد لحد دلوقتي ما رجعتش، والدنيا قربت تعتم
رفع جلال يده مهدِّئًا: استهدوا بالله، طب ماجربتوش تكلموها على تليفونها؟
ردت سندس، والدموع بتلمع في عينيها: مقفول من الضهرية يا جلال! اتصلنا فوق الألف مرة… ولما كلمنا صحبتها نوارة، قالت إن خليل أبوها جه وخدها بالعربية، ومن ساعتها مفيش منها لا حس ولا خبر!
تجمد جلال لبرهة متعجبًا، لكنه تماسك قبل أن يقول بجدية: طيب اهدوا شوية، مافيش حاجة تخوّف، هي راحت مع أبوها خلا…ص
قاطعته سندس بسرعة: لا يا بني! الموضوع مايطمنش، أبوها دا بقاله سنين لا حس ولا خبر، لا بيرفع سماعة التليفون يطمن، ولا بيسأل عليها، ما انت عارف كل حاجة دلوقتي، فجأة ياخدها من غير ما حد يعرف؟! أنا مش هقعد على قلبي… أنا رايحة أشوفها عنده
التفتت لسلالم البيت وهتفت: واد يا عاصم! روح هات لنا تاكسي من عالناصية بسرعة
جلال بحزم: استهدوا بالله… أنا هوصلكم بلاش بهدلة التاكسيات
تنهدت سندس محاولة الاعتراض: لا يا بني، كتر خيرك مش عايزين نتعبك معانا
ارتسمت الجدية على وجه جلال، وهو يفتح الطريق أمامهم: مافيش تعب ولا حاجة… اتفضلوا بينا
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
في مكان مجهول
أفاقت شهد على سرير غريب تفوح منه رائحة عطر رجولي نفاذ، حاولت أن تنهض، لكن رأسها مثقل كأنها خرجت من دوامة. رمشت بعينيها لتجد نفسها في غرفة فخمة، ستائرها مسدلة، وأثاثها يشي بثروة فاحشة، بالكاد تتذكر آخر شيء… سيارة والدها… المشروب…
لكن أين هى!
قفزت من السرير، وتوجهت نحو الباب، محاوِلة فتحه، لكن الصدمة شلتها حيث كان الباب كان مغلقًا من الخارج!
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
كان بيت خليل غارقًا في سكونٍ مريب، بينما وقفت سندس أمامه بعينين متقدتين، وإلى جوارها زينب التي تحاول تهدئة أختها، بينما ظل جلال يراقب كل حركة وكل ارتعاشة في ملامح خليل، لكن سندس هدرت بنفاذ صبر: فينها يا خليل، عملت ايه في شهد؟
تصاعد دخان سيجارته أمام وجهه في دوائر متكاسلة، وصوته المتهكم يخرج بغلظة كريهة: جرا ايه يا سندس! فاكرة الروباطية للي داخلالي بيها دي هتهتني ولا ايه؟ هكون مخبيها بقولك بنتك مش هنا…
جلال لم يقتنع بحديثه لكنه ظل صامتًا، بينما قامت زينب بالرد عليه بتهديد: يارجل يا شايب عيب علي شيبتك، وبطل شغل اللف و دوران بتاعك ده، والا ورحمة ابويا لا نكون طالعين علي اقرب قسم وعمليلك محضر بخطف البت
قهقه خليل بضحكة مستفزة، ثم هتف بملامح لا تخلو من خبثٍ ساخر: ماتعقلي الكلام يا ام عاصم وهو في حد هيخطف بنته برده..
تشنج فكّ جلال، وصمته لم يدم طويلًا، فجأة مدّ يده وأمسك ياقة خليل بعن,فٍ كاد يخنقه، ممَ ارتبك خليل الذى حاول أن يصرخ ليداري خوفه، لكن صوت جلال زلزل كيانه: لو ماجبتش من الاخر وقولت عملت فيها ايه… قسمًا عظما ما هخلي الحكومة تعرف تسلك جتتك من سنان كلاب الشوارع
ارتجفت شفتا خليل، وابتلع ريقه بصعوبة لأن غلاظة قبضتين جلال على صدره جعلت قلبه يتسارع كطبلٍ مكسور، ليتمتم بصوت متقطع: هي… هي دلوقتي مع جوزها
شهقت سندس بفزع: جوزها؟!
لمع الغضب في عيني جلال، فضر,به بلكمة مدوية أسقطته أرضًا مع الكرسي الذي انقلب به، بينما هدرت سندس وهي تكاد تختنق بدموعها: جوزت بنتي لشمام من للي تعرفهم يا راجل يا ناقص؟!
قبض على ياقة خليل وجرّه بع,نف ليقف علي قدميه بصعوبة، فابتسم خليل برعب كمن وقع في الفخ: شمام ده ايه يا وش الفقر!! بنتك اتكتبلها السعد كله واتكتبلنا كلنا السعد والبغددة معاها علي يد راجل عنده بحر عز و فلوس مابتخلصش
اشتعل الغضب في عينيها كجمرتين متوهجتين، ثم صرخت بخوف وهي تشير بيدها المرتجفة نحوه: بعت بنتك بفلوس يا خسيس؟!
بينما جلال شد قبضته أكثر حتى كاد يخنقه، وصاح بصوت كالرعد:
الراجل ده مكانه فين؟ انطق بسرعة قبل ما أفرمك دماغك تحت رجلي
انهار خليل تمامًا، وأخذ يلهث بتلعثم: فيلا… فيلا مختار الفهد…
تركه جلال يسقط على الأرض كخرقة بالية، واندفع نحو الباب، تتبعه سندس وزينب وقلوبهنّ ترتجف بين الخوف والرجاء.
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
فيلا مختار
سمعت ضحكة غليظة تتردّد خلفها، كصفير وحش خرج لتوّه من جحره.
تصلّبت عروقها من الذعر، واستدارت لتجد رجلاً في الخمسين من عمره، جسده ممتلئ، يجرّ خطواته الواثقة خارجًا من الحمام الملحق بالغرفة، يلف جسده روبًا أبيض، وعيناه تبرقان بجوعٍ مفترس.
اقترب منها ببطء، ثم انبثق صوته المبحوح كالسوط على روحها: يا سلااام… أخيرًا صحيت العروسة
يتبع…
رواية جمر الهيام
بقلم نورهان محسن
الجمرة الثالثة
فيلا مختار
سمعت ضحكة غليظة تتردّد خلفها، كصفير وحش خرج لتوّه من جحره.
تصلّبت عروقها من الذعر، واستدارت لتجد رجلاً في الخمسين من عمره، جسده ممتلئ، يجرّ خطواته الواثقة خارجًا من الحمام الملحق بالغرفة، يلف جسده روبًا أبيض، وعيناه تبرقان بجوعٍ مفترس.
اقترب منها ببطء، ثم انبثق صوته المبحوح كالسوط على روحها: يا سلااام… أخيرًا صحيت العروسة
احتضنت جسدها بذراعيها المرتجفتين بهلع، وتراجعت خطوة بعد أخرى، وهي تتلعثم بخوف: انت مين؟! أنا… أنا إزاي جيت هنا؟!
ابتسم بخبث، ومد يده الغليظة ليمسح على خدها المرتعش وهو يجيبها باستمتاع: أنا جوزك يا قطة… لسه جوازنا طازة… ماعدّاش عليه ساعتين زمن، تعالي في ح,ضني عشان نقول احلي كلام
دفعته شهد بع,نف، ودموعها ترقرق بعينيها، ثم صرخت بشراسة ممزوجة بالقهر: جوز مين يا راجل إنت؟! خرجني من هنااا!
قهقه بصوت خشن: القطة طلعت بتخربش… ماشي هعذرلك عشان لسه ماخدناش على بعض، اسمعي يا بت أنا جوزك، وابوكي هو اللي مجوزك ليا يا قمر بعقد عرفي واتنين شهود
انتفضت في مكانها، وجسدها يرتجف كغصن في مهب ريح، لتصرخ بعدم تصديق: كداب! مستحيل أبويا يعمل كده… مستحيل!
خطا نحوها بلا اهتمام لصدمتها، بينما أخذت أصابعه تحاول أن تنتزع طرحتها، فارتدّت للخلف تصرخ بفزع وهي تدفعه عنها، لكن قبضته التفت حول معصميها، ليحاصر جسدها كأنها طريدة وقعت في مخالب صيّاد.
قال مختار بلذة وهو يلهث، ووجهه قريب من وجهها، خانقًا أنفاسها برئحة عطره القوية: ياااه… بمو,ت في النوع الشرس ده… بس بقولك ايه ماتزوديش في الفرهدة… مفعول الحباية لسه شغّال ومش عاوز أضيّعه عالفاضي
صذحت منها صرخة مكتومة بالذعر، كأنها تستنجد بالجدران، بعينيها المبللتين تترجّى أي معجزة تنقذها، بينما قلبها يخبط في صدرها كطبول حرب، وهي تحاول بكل قوتها أن تفلت، بينما هو يزداد اقترابًا وضراوة، ليدفعها نحو السرير بعن,ف، ويجبرها على الاستلقاء اسفله.
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
ترجل جلال من السيارة بخطواتٍ ثابتة، يتبعه رجاله الذين انبثقوا من السيارات الأخرى، قبل أن يتقدموا خلفه صوب البوابة الحديدية لفيلا مختار الفهد، يحملون العصي الغليظة كأنها امتدادٌ لذراع الغضب، ليقتحمون المكان كالطوفان بإشارة واحدة من جلال، فارتطمت العصي برؤوس وأكتاف رجال مختار الذين تهاووا واحدًا تلو الآخر.
شق طريقه كالإعصار، وعيناه تقدحان شررًا، يضر,ب كل من يواجهه بقبضة غليظة أو ضر,بة عصا، وحينما اخترق دهاليز الفيلا، لاحت له خادمة مذعورة، التصقت بالجدار، جسدها يرتجف كغصنٍ في ريحٍ عاتية.
رفع يده القوية وأمسك بذراعها، بينما صوته خرج أجشًّا مخيفًا: مختار فين؟
أشارت بيدٍ مرتجفة نحو الدرج العلوي، متلعثمة بدموع تتلألأ في عينيها: ف… فوق… فوق… الأوضة الكبيرة آخر الطرقة
لم يترك لها فرصة لالتقاط أنفاسها، دفعها جانبًا وصعد الدرجات بخطوات متسارعة.
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
في الطابق العلوى
_يخربيت جنان ابوكي، نزلي البتاع ده من ايدك
صرخ بها مختار بقلق الذى كان ملتصقًا بالجدار بينما ينظر إلى الغرفة المدمرة رأسًا على عقب، فيما كانت شهد تتحرك بشعرها المبعثر وعينيها دامعتان، وملامحها متصلبة كصخرة تتحدى البحر، بينما تمسك بالس,كين كأنها سيف موروث من معركة قديمة، وصوتها المبحوح من الغضب خرج مهددًا: قرب خطوة واحدة مني… والله لأخلّي وشّك خريطة!
ارتجف جسد مختار لحظة، لكنه حاول أن يتماسك، ملوّحًا بيده في الهواء كمن يريد تهدئة وحشٍ ثائر: يا بنتي إهدي… إيه لازمة الع,نف ده خلينا نتفاهم؟!
ضحكت شهد ضحكة قصيرة ساخرة، وعينها تلتمع بجنونٍ قائلة بإستهزاء: بنتك؟! دلوقتي بقيت بنتك!! هو انت فاكرني عيلة صغيرة هتضحك عليها؟ لا فوق لنفسك مش كل الطير للي يتاكل لحمه يا نطع يا عرة…
اقتربت منه نصف خطوة، ورفعت الس,كين أمام وجهها، ولمعة الحديد انعكست على عينيها الجريئتين، وصوتها ازداد حدة وشراسة: افتح الباب ده بقولك، والا ورحمة رجولة ابويا للي باعني ليك ما هخلي فيك حته الدكتور يعرف يخيطها
ارتبك مختار من تهديدها، وأخذت عيناه تتقلبان في جنون، وهو يتراجع خطوة للخلف، محاولًا أن يخفي ارتباكه بابتسامة واهنة: طب خلاص… خلاص يا ستي… سيبي الس,كينة دي لا تعورك وانا هعملك كل للي يرضيكي
_مش هسيبها، افتح الباب… يلا ربنا ياخدك
صرخت فيه بعناد، وهي تشهر الس,كين فى وجهه، فابتلع مختار ريقه بصعوبة، وهو يرفع يديه مستسلمًا.
في تلك اللحظة
اخترق صوته أركان الغرفة من خلف الباب المغلق، ذلك الصوت الذي سكن روحها قبل أن يسكن أذنها، فاهتزت كل ذرة في كيانها: شـــهــــد!
اتسعت عيناها بفرح غامر، دموعها لم تعد دموع رعب بل تحوّلت إلى بريق مكرٍ غامض، وابتسامة صغيرة خبيثة تسللت إلى شفتيها.
هتف مختار بتعجب: صوت مين للي بره ده؟
وفى لحظة مباغتة اندفعت بخطوات سريعة نحو مختار المذعور، ودفعت جسده بكل ما تملك من قوة، فتهاوى عليها فوق السرير.
_بتعملي ايه يا بت المجنونة؟!
صرخ مختار مذهولًا، لا يكاد يستوعب ما يحدث، بينما كانت شهد تخفي الس.كين بسرعة بين الوسائد، ثم ارتفع صوتها بالصراخ والأنين، وهي تضر,ب صدره بيديها وتستغيث بعن,ف: سيبني يا حيوان! ياااالهوووي، حرام عليك… الحقوني يا ناس… حد يلحقني..
تمثيلها كان بارعًا، بل مدهشًا في صدقه، حتى أن مختار نفسه لم يستوعب ما يحدث، وفي اللحظة ذاتها دوّى ارتطام قوي بالباب، تبعه صوت تحطّمه، ليقتحم جلال الغرفة كبركانٍ ثائر، بينما عيناه اشتعلتا بحمرة الغضب، وصدره يعلو ويهبط كوحشٍ يُوشك أن ينقضّ، والمشهد أمامه صبّ الزيت على نا,رٍ لا تنطفئ.
اندفع نحو مختار بلا تردد، ليزيحه عنها بضر,بة فولاذية كادت تفتك به، وألقاه أرضًا بعن,ف، وصوته يجلجل بضراوة: ابعد عنها يا ابن الكلب!
سقط مختار أرضًا يتخبط، وفي اللحظة ذاتها قفزت شهد من الفراش، وهرولت بخطوات متعثرة وارتمت في صدر جلال، والتصقت به بكل خوفها، يداها المرتعشتان تشبثتا بقميصه بقوة، قائلة بصوت متقطع: جلال… الحقني؟ شوفت كان هيعمل فيا إيه؟ خدني من هنا… ما تسيبنيش عشان خاطري
ارتبك للحظة، ويداه ارتفعتا بتردّد قبل أن تُحيطا بكتفيها بحنوٍ مكتوم، وهمس بنبرة خشنة تحبس طوفان مشاعره: متخافيش… محدش هيقدر يقربلك، وهتطلعي من هنا لو فيها مو,تي
_بعد الشر عليك ان شاء لله عدوينك.. خلينا نمشي من هنا
قالتها وهي ترفع رأسها بسرعة، ونظرتها الدامعة تنغرز في عينيه، تشي بخوفٍ عليه هو لا عليها، ليشعر بقلبه يكاد يقفز بين ضلوعه، فلو ترك لنفسه العنان لكان ضمّها بقوة تكسرها بين ذراعيه.
حاول مختار أن ينهض مترنحًا، وهو يصرخ متلعثمًا: انت مين ياله… وازاي تدخل بيتي كده؟ فين رجالتي؟!
التفت جلال نحوه، ورد ببرود مميت: رجالتك… بيتاخد فيهم العزا تحت
ثم هوى عليه برأسه ضر,بة قاسية ارتد لها جسد مختار أرضًا، قبل أن يعود جلال إلى شهد، وهو يسألها بصوتٍ يتأرجح بين الغضب والقلق: الحيوان ده لمسِك؟ انطقي… الـ **** ده عمل فيكي حاجة؟
أومأت شهد برأسها نافية، عندها صرخ مختار بشتائمٍ متقطعة: مين ده يا بنت ****؟! أنا هوديك في ستين داهية… وحياة امي لاعرف ادفعك تمن للي عملته ده انت واهلك
لكن صوت شهد اخترق الصخب، ممزوجًا بالذعر: الراجل ده بيقول ان بابا مجوزني له عرفي يا جلال… وانا اول مرة اشوفه في حياتي!!
تحوّلت ملامح جلال إلى وجه قاتم يقطر نا,رًا، وصوته خرج مشحونًا بالوعيد: بالذوق كده هتطلع الورقة للي كتبتها انت وابوها… ولا هخليك تطلعها بطريقتي
تراجع مختار بخوفٍ ظاهر، واندفع نحو الدولاب بخطوات مترددة، لكن جلال قبض على الروب من الخلف، مهسهسًا بصوت جليدي: أي حركة غدر منك هسيحلك دمك
تمتم مختار متلعثمًا: الخزنة… الخزنة في الدولاب
أدار جلال رأسه لشهد وهو يأمرها بنبرة حاسمة: افتحي الدولاب
تقدّمت شهد بخطوات حذرة وفتحت الباب، ليخرج مختار من الخزنة عدة أوراق، لكن جلال خطفها من يده بسرعة، وقلب بها بعينين متوحشتين ليتأكد، ثم ألقى به أرضًا، وأشعل ولاعته فى الأوراق، فتصاعدت ألسنة النا,ر لتلتهمهم، ثم دهسهما بقدمه حتى تحوّلا إلى رماد.
لم يكتفى بذلك، بل مدّ يده إلى الخزنة يُفتش، ليخرج منها أسطوانات وأقراصًا مدمجة، وبعد الصور لفضائح مختار مع فتياتٍ أخريات، فصاح الأخير هلعًا: للي بتعمله ده مش هيعدي، انت مش عارف ممكن اعمل فيك ايه؟
اقترب منه، وقال بتهديد صريح: وانا عايز اشوف الراجل النطع للي زيك بيعمل، قسما عظما لو بس هوبت نحيتها… لا اكون ملبسك طرحة وافضحك بالقرف للي في إيدي
أنهى حديثه بإحتقار، ثم أطبق قبضته على يد شهد، وسحبها خلفه بخطوات حاسمة، تاركًا مختار غارقًا في خوفه وذله، وجدار الغرفة لا يزال يهتز من صدى كلماته.
يتبع…
رواية جمر الهيام
بقلم نورهان محسن
الجمرة الرابعة
لم يمضِ سوى أيام قليلة على الحادثة، حتى تحوّل الحي الشعبي إلى خلية نحلٍ تلوك الألسنة سيرة شهد ووالدتها وخالتها، الناس في الحارة لا ترحم، وكل همسٍ على الأبواب كان كالسكاكين يُغرس في ظهور النساء الثلاث، كلمة هنا، نظرة هناك، صارت الحكاية كأنها فضيحة تلوكها الألسن بشراهة.
في المقابل، جلس جلال في شقته بالطابق الثالث، وقد أثقل صدره حملٌ لا يُحتمل، والده يضغط عليه، ووالدته تلحّ بدموعها: يا ابني فيها ايه لما تريح قلب امك وتتجوّز هدى… دي بنت عمك وفلوس أبوها ماينفعش تطلع بره، البت زي فلقة القمر وبتحبك وبتتمنلك الرضا ومتربية في بيتنا وع ايدينا
كان جلال يجلس على الكرسي، ملامحه متصلبة كجدار، وعينيه معلّقتان في فراغٍ غامض، قبل أن يردّ بصوتٍ قاطع: أنا هتجوز شهد
ارتفع صوت والده بانفعال: ازاي الكلام ده! بعد اللي اتقال عليها؟! يا بني الناس مش هتسيبها في حالها واللي حصل ده كفاية يلطخ سمعتها طول العمر
ضر,ب جلال بكفه على الطاولة، وارتجّ اركان المنزل حينما تحدث غاضبًا: مالهاش ذنب! هي معملتش حاجة تتحاسب عليها… ودي هتبقى مراتي للي يرفع عينه فيها بنظرة ماتعجبيش هخزقهالو
هدأ الأب قليلًا أمام حدّة ابنه، لكن الأم لم تستسلم، تمتمت بحزنٍ وقلق: يعني عايز تضيع نفسك… بترفض هدى اللي من لحمك ودمك عشان البت دي؟
أجاب جلال بنبرةٍ حاسمة: هدى مابشوفهاش غير اختي الصغيرة يا امي، والحوار ده شيلوه من دماغكو، هروح افاتح ام شهد في الحكاية، عشان احدد معاهم معاد نروح لهم واتقدملها مش طالب منكو غير انكو تباركو جوازة ابنكو الوحيد
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
فى اليوم التالي
أشرقت الشمس فوق الحي الشعبي، لكن بيت سندس كان يعجّ بضوضاء غير مألوفة، أبواب الدواليب تُصفَق، والكراتين تتراكم واحدة فوق الأخرى، وروائح الغبار الممزوجة بعطر قديم يملأ المكان،
على العتبة الشقة، وقف جلال للحظة يلتقط أنفاسه، يحدّق في المشهد أمامه بعينين متسعتين، كأنّ الأرض انسحبت من تحت قدميه.
كان في صدره ثقل غريب، خليط من القلق والرجاء، فما وجده بعثر ترتيب قلبه، كل شيء يشير إلى الرحيل.
خطا بخطوات ثابتة إلى الداخل، رغم أنفاسه المتسارعة، وفي عينيه لمعان صلب يخفي وراءه ارتباكًا دفينًا.
رفعت سندس رأسها نحوه، وقد غطى العرق جبينها من شدة الانشغال، وصوتها جاء مترددًا:
إزيك يا جلال يا بني…؟
اقترب منها قليلًا، ملامحه حادة لكن عينيه تنطقان بالقلق، ثم قال بنبرة منخفضة، كأنها مشوبة بغضب مكتوم: هو إيه اللي بيحصل هنا يا ست الكل؟… إيه الكراتين دي كلها علي فين العزم؟
ارتبكت سندس، تبادلت نظرة سريعة مع ابنتها شهد التي كانت تقف بجوارها تحمل غطاءً قديمًا، عيناها واسعتان تلمعان بالدمع، وشفتيها ترتجفان كأنها تحاول أن تنطق ولا تستطيع.
رفعت سندس يدها تمسح العرق عن جبينها قبل أن تقول بهدوء: خشي يا شهد اعملي شاي للمعلم، اتفضل استريح يا بني…
جلست سندس امامه مسترسلة بغصة، بعدما تأكدت من مغادرة شهد إلى المطبخ: احنا هنسيب البيت يا بني، الظروف ما بقتش سامحة نفضل في الحته بعد اللي حصل…
رفع حاجبيه بتعجب ممزوج بالغضب، وصوته الخشن انفلت ساخطًا: حتة ايه اللي عاوزين تسيبوها يا ست سندس!! مين قالك اني هسمحلكو تعملو كده؟
تنهدت سندس وكأن صدرها أثقل من الجبال، وردت وهي تجاهد كي لا تدمع عيناها: إحنا ماعادش ينفع نقعد هنا يا جلال… الناس مش سايبانا ف حالنا، وسمعة البنت بقت على كل لسان
جلال عضّ على أسنانه بشدة، وهتف بحدة عارمة: قطع لسان اللي يجيب سيرة حد فيكو بسوء طول ما انا عايش ماتقلقوش من حاجة يا ست سندس، انا جيت النهارده مخصوص… عشان أطلب شهد في الحلال على سنة الله ورسوله
شهقت سندس من المفاجأة: إيه اللي بتقوله ده يا جلال؟ انت بتكلم جد يا بني؟!
أدار وجهه جانبًا، كأن كبرياءه يمنعه من كشف ما في صدره، ثم عاد يحدّق بعينيها بثبات، قائلا ببرود: وهي الامور دي فيها هزار يا ست سندس، انا اكتر من يعلم باللي حصل، وشهد ست العرايس وزينة بنات الحي كله ومفيش منها، الذنب مش ذنبها ولا ذنبكو، ومن الليلة هتبقي فيها مراتي وتشيل اسمي عهد عليا قدام ربنا هتكون في حمايتي لاخر يوم في عمري
في تلك اللحظة، كانت شهد خلف الباب نصف المفتوح، قدماها متصلبتان على الأرض، وعيناها دامعتان تتابعان كل كلمة خرجت من فمه، ظنّت لوهلة أن قلبها سيطير فرحًا، لكن كلماته كانت بمثابة خنجرًا اخترق أعماقها، فانسابت الدموع على وجنتيها بلا رحمة، لم تسمع في كلماته اعترافًا بحبٍ تترجاه منذ زمن، بل فقط شهامة جافة ورجولة عنيدة، زواج بلا عشق، مجرد عقد ليحميها من كلام الناس.
أرادت أن تخرج وتصرخ في وجهه: لأ… مش عاوزة جوازك ليا يبقي شفقة منك!
لكن قدماها ارتجفتا، وصوتها انحبس في حلقها، حتى إذا تشجعت لتواجهه كان هو قد أنهى حديثه مع سندس، ثم دار بظهره وغادر الدرج بخطواتٍ حاسمة.
دخلت إليها أمها بعد لحظات، وعيناها لا تخفيان الدهشة والسعادة: سمعتي اللي قاله يا شهد؟ الراجل جه يطلبك، إيه رأيك؟
رفعت شهد يديها لتمسح دموعها بعصبية، وقالت بنبرة مفعمة الحزن: رأيي في إيه يا ماما؟! هو عاوز يتجوزني عشان يسكت السنة الناس عني! شايفني مسكينة محتاجة راجل ينقذها… مش شايفني ست تستاهل يحبها
اقتربت سندس منها، أمسكت بيديها وأجبرتها أن تنظر في عينيها قائلة بصدق: بصي يا بنتي… جلال راجل جدع وابن حلال مصفي، وهيحطك ف عنيه، حتي لو مش بيحبك زي مابتقولي أنتي بشطارتك وبطيبتك تقدري تخليه يحبك…
انكمشت شهد بين ذراعي أمها، وبداخلها صراع مرير بين كرامتها الجريحة وقلبها العاشق الذي لا يعرف إلا جلال، دموعها لم تجف، لكن حين أغمضت عينيها، ارتسم وجهه في مخيلتها بصلابته وخطوط الغضب في ملامحه.
نظرت إلى أمها بعينين مغسولتين بالدمع، وأومأت باستسلامٍ: ماشي يا ماما… اللي تشوفيه
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
امتلأت القاعة بألوان الزينة، وضجّ المكان بضحكات المهنئين وزغاريد النساء، كان الفرح كبيرًا، أكبر مما توقعت شهد.
بدت أمها وخالتها غارقتين في سعادة غامرة، وولدا خالتها الصغيران يركضان بين الطاولات، يلوحان لها ببالونات، ويهتفان باسم جلال بمرح طفولي، كانت تعلم كم يحبانه، وكم يفرحهما أن يصبح جزءًا رسميًا من حياتهما، ولم تشأ أن تُفسد تلك الفرحة على أحد، رغم أن قلبها كان يبكي في صمتٍ لا يسمعه أحد.
وحين انتهت الاحتفالات، وعاد الجميع إلى بيوتهم، وجدت نفسها أخيرًا وحيدة مع جلال في شقتهما الجديدة، الذى أغلق باب الغرفة وراءهما ببطء، ثم استدار إليها، عيناه تلتهمان ملامحها في صمت مهيب، فيه وله لا تخفى.
ارتجفت أصابعها بارتباك وهي تخلع حجابها، بينما تقدّم عدة خطوات منها، فهو لم يعد يقوى على الصبر، كان قلبه يثور بين ضلوعه كلما نظر إليها، شهد الصغيرة التي كبرت أمامه، ها هي الليلة عروس، أنثى مكتملة، والقدر أخيرًا وهبه إياها.
اقترب منها ببطء، ويده امتدت في حذر إلى شعرها المنسدل على كتفيها، وأصابعه مرت بخفة فيه كأنها تكتب سطور شوقٍ قديم على حريرٍ رقيق، ثم رفع ذقنها بأطراف أصابعه، وعيناه تحاصرها كأنهما جدار لا فكاك منه، قبل أن يخرج صوته خرج عميقًا وهو يمد يده ليلمس خدها: مبروك يا عروسة…
ارتجف بدنها بقشعريرة حالما انحنى ليطبع على جبينها قبلةً تحمل كل الشوق المكتوم: الفستان الابيض عليكي، تمام البدر في ليلة اكتماله القمر
لم يمهلها ردًّا، بل مال نحوها وقبّلها قبلة وُلِه محمومة، تشبه العاصفة التي ظلت حبيسة سنوات طويلة، وشفتاه التصقتا بشفتيها في شغفٍ جعل أطرافها تنصهر، بينما يده تطبّق على خصرها ليشدها إليه كأنّه يخشى أن تتبخر من بين يديه.
شهقت شهد بتقطع، حينما ابتعد قليلاً عنها حتى يلتقط كلاهما أنفاسه، ليهمس جلال بصوت أجش: تحبي أساعدك…
وأشارت يده إلى سحاب فستانها، كأنّه يعرض عليها أن يحررها منه بنفسه، تسارعت أنفاسها خجلاً وارتباكًا، بينما قلبها يطرق صدرها بقوة، وارتجفت أصابعها وهي تمسك يده وتمنعها، ثم تمتمت برفض خجول: لا… شكرا… ممكن معلش تديني شوية وقت اغير فيهم هدومي
رفع ذقنها برفقٍ نحوه، لتلتقي عيناهما، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامةٌ مرحة: ايه الرقة والنعومة دي كلها! اومال راحت فين شهد ابو لسانين؟! ماشي يا ستي… هستنى زي ما انتي عايزه، بس ماتسيبنيش استني كتير وتطولي عليا…
تدفقت كلماته بصوتٍ مبحوح، يشعّ منه لهيب عطشٍ دفين، واحتياج متقد يفيض عن قدرته على الكتمان.
ابتعدت شهد بخطوةٍ للوراء، عيناها اللامعتان تتجنبان النظر إليه، فقطب حاجبيه بدهشة، وقال بحنو خبيث: بتبعدي اوي كده ليه؟ مكسوفة مني اوي كده!
أجابت بصوت مختنق ممزوج بكبرياءٍ مكسور: أنا عارفة يا جلال انت اتجوزتني ليه…
يتبع…
رواية جمر الهيام
بقلم نورهان محسن
الجمرة الخامسة
ابتعدت شهد بخطوةٍ للوراء، عيناها اللامعتان تتجنبان النظر إليه، فقطب حاجبيه بدهشة، وقال بحنو خبيث: بتبعدي اوي كده ليه؟ مكسوفة مني اوي كده!
أجابت بصوت مختنق ممزوج بكبرياءٍ مكسور: أنا عارفة يا جلال انت اتجوزتني ليه… عشان تحميني من كلام الناس صح، عشان تنقذ سمعتي انا واهلي… كتر خيرك إنك وقفت جنبي.. وانا اوعدك اني هعاملك بما يرضي الله وعمري ما هزعلك ولا احرُمك من حقوقك كزوج بالعكس… أنا هعيش عمري شايلة معروفك ده في قلبي
تحولت نظراته كالسهام، وملامحه احتقنت من شدة الانفعال.
قبض على قبضتيه حتى ابيضّت أنامله، وكأنه يقاوم رغبة مجنونة في الانفجار، وصوت فى عقله يردد بقهر: بتقولي إيه؟! إزاي تظني إني خدت القرار ده بس عشان كلام الناس؟! إزاي مش حاسة إني بمو,ت عليكي من سنين؟ إزاي مش شايفة غيرتي عليكي من النسمة اللي تلمس وشك؟! واني كنت مستعد امو,ت ولا انك تتمسي بأذي؟!
شعر برغبةٍ عارمة أن يهزّها أو حتى يضر,بها ليفرغها من ظنونها، لكنه ما إن نظر إلى عينيها الواسعتين المدمعتين، حتى خذله قلبه وتراجع الغضب إلى صدره كحريقٍ مكبوت.
أدار وجهه بعيدًا عنها، ونطق ببرود، كأنه يغمد خنجرًا في قلبه هو قبل أن يغرسه في قلبها: أنا عملت اللي شايفاه صح، وصدقيني… أنا مش فارق معايا غير إنك تبقي بخير
التقط جلال وسادته، واتجه إلى الصالون بخطواتٍ ثقيلة، وتركها واقفة في منتصف الغرفة وحدها، عيناها مشدوهتان من قسوته.
كبرياءها الجريح منعها من اللحاق به، جلست على حافة السرير، تضم ساقيها إلى صدرها، والدموع تسيل على وجنتيها في صمتٍ حارق، وفي داخلها صوت يصرخ بحر.قة: يا جلال أنا بمو,ت فيك… ليه مش حاسس بيا، ياريتك تاخد شوية من حبي ليك وتحبني بيهم
أما هو، فقد تمدد على الكنبة في العتمة، يحدق في السقف بلا نوم، قلبه مثقل بالألم، وحنجرته تختنق بكلماتٍ لو خرجت لأحر.قت كل الفواصل بينهما، لكنه اختار الصمت، وادعى الجفاء، خشية أن ينهار أمامها ويبوح بكل ما في صدره.
وهكذا مضت الليلة الأولى بينهم مثقلةً بالدموع والصمت، وكلٌ منهما يتمنى أن يركض نحو الآخر، لكن بينهما جدار من الظنون والجر.ح والكبرياء.
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
استفاقت شهد في صباحيتها على وقع طرقاتٍ متتالية على باب الشقة، صوتٌ بدا مألوفًا، يطرق بخفةٍ متلهفة، وكأنها تستطيع أن تسمع أنفاس أمها وخالتها من خلف الباب.
انتفضت من الفراش على عجل، غسلت وجهها بماء بارد لتخفي آثار سهر الليلة الماضية، ثم أسرعت إلى غرفة الصالون حيث يرقد جلال.
دخلت بخطوات مرتجفة، وقلبها يخفق بسرعة، واقتربت من الأريكة، ثم مالت عليه وهمست بصوتٍ متلهف: جلال… اصحى ماما وخالتي عالباب… ممكن تقوم تدخل جوه عشان اقدر افتحلهم
فتح جلال عينيه المثقلتين بالنوم، لكنه ما إن وقعت نظراته عليها حتى انقلب حاله تمامًا، كانت ترتدي قميص نوم حريري بلونٍ ناعم يلتصق جسدها الرشيق، ليكشف أكثر مما يستر، بينما شعرها المنسدل على كتفيها، وبشرتها بدت أصفى من أي وقت مضى، ممَ جعله يشعر وكأن قلبه يُوشك أن يخرج من بين ضلوعه.
نهض من مكانه فجأة، وسأل بصوت مبحوح من أثر النوم والاشتهاء: إيه اللي انتي لابساه ده يا شهد؟!
قبل أن تفهم قصده كان قد مد ذراعيه، وجذبها إليه بعن,فٍ محموم، ليضمها لصدره بقوة، وخرج همسه مخنوقًا بالغيرة الملتهبة: عاوزة تفتحي الباب لامك وانتي بالمنظر ده كده؟! شايفة القرون خارمة راسي… خشي جوه البسي هدوم عدلة علي ما أفتحلهم… يلا قومي
ارتعشت شهد بين ذراعيه، وجهها صار أحمر كالجمر من شدة الخجل، فابتعدت بسرعة وهي تتعثر بخطواتها، وركضت إلى الغرفة الأخرى، بينما هو جلس لحظةً فوق حافة الاريكة، كفّه مشدود على ركبته، يحاول كبح نفسه، عيناه تلمعان بلهيبٍ مكبوت لم يخمد منذ البارحة.
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
بعد قليل فى غرفة الصالون
سندس وزينب جلستا معها، وبدأت الأم تسألها عن حالها، حاولت شهد أن تتمالك نفسها، لكن دموعها خانتها، فانفجرت تبكي بين ذراعي أمها، وهى تحكى لها ما حدث.
أخرجتها أمها من حض,نها بعصبية، وقالت بنبرة ساخطة: انتي اتهبلتي يا بت؟! إزاي تفكري كده؟ جلال ده من وانتي عيلة وهو بيحبك… ده ليلة الفرح وأنا بوصيه عليكي، حلفلي إنه هيحطك في عينه وقلبه، وإنه ماصدق إنك بقيتي مراته، وانتي تيجي تقوليلي كده؟! بتخربي بيتك بايدك ومن اول ليلة يا بنت سندس
رفعت شهد وجهها المبلل بالدموع، وعيناها اتسعتا في صدمة، وهى تشعر أن قلبها هوى بين ضلوعها، والندم تسلل إلى أعماقها بسرعة، وشفتيها ارتجفتا وهي تهمس بصوتٍ واهن: بيحبني…؟! هو… هو قالك كده؟
تدخلت خالتها بنبرةٍ أكثر هدوءًا، وضعت يدها على كتف شهد، وكأنها تعيد لها بعض الطمأنينة: اهدي يا بنتي، ايوه زي ما امك بتقولك الراجل بيحبك من سنين، هو بس كان مستني تبقي في بيته ويقولك للي في قلبه، معلش اديلو فرصة يوريكي هو قد إيه عايزك، ما تخسريهوش يا شهد
ظلّت شهد تبكي بصمت، رأسها منكس، قائلة بخزى من نفسها: انا ظلمته اوي
أعادت امها شدّها لح,ضنها، قائلة بنبرة صارمة: يبقى تصلحي اللي عملتيه… متضيعيش حب زي ده من إيدك يا بنت بطني
في تلك اللحظة، أحست شهد أن قلبها صار أثقل من أي وقت مضى، لكن بين وزنه ألم، وبين نبضه بصيص رجاءٍ جديد، يهمس لها أن الفرصة مازالت قائمة.
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊
حينما غادرت الأم والخالة، حلّ الصمت على المكان كستار ثقيل، لا يُسمع فيه سوى خفقات قلب شهد وهي تترقب عودته من صالة البيت.
في اللحظة التي لمحت فيها ظلّه يقترب، لم تتمالك نفسها هرولت نحوه كطفلة مذعورة، لترتمي في حض,نه بلا تردّد، ذراعاها تطوّق عنقه، ورأسها ينغرس في صدره، وأخذت تبكي وتشهق كما لو كانت تستجدي عفوه، وخرج صوتها متشابكًا مع شهقاتها ودموعها: سامحني يا جلال… عشان خاطري ماتزعلش مني… أنا كنت غبية… كنت مجروحة ومتلخبطة وضايعت أحلى ليلة ممكن نعيشها… صدقني ماكانش قصدي… كنت فاكرة انك اتجوزتني شفقة عليا… وده وجعني اوي عشان أنا بحبك والله… بحبك اوي اكتر ما انت بتحبني بكتير، وطول عمري كنت بتمني ابقي في حض,نك
اهتز جسده مع كل كلمة تنسكب من شفتيها، كأن دموعها نا,ر تذيب ما تبقى من صموده، أنفاسها الساخنة ترتطم بأنفاسه، وارتعاشها بين ذراعيه يشعل في داخله رغبةً عارمة لم يعد قادرًا على كبحها، ممَ جعله يضمّها بقوة، حتى خُيّل إليها أنّ صدره سيتفتت من عن,ف دقاته.
خفض رأسه إليها، وأحاط وجهها بكفيه، رافعًا ذقنها لتواجه عينَيه المشبعتين بالوجد، وقال بصوت أجش متحشرج: انتي مجنونة… في راجل بيتجوز واحدة عشان شفقان عليها؟
همست بنعومة ممزوجة بالتوق: اومال عشان ايه؟
اقترب جلال أكثر، حتى صارت أنفاسه تلهب وجنتيها، وردّ بنبرة غيورة متأججة: عشان مايقدرش يتخيل انها ممكن تروح لغيره، مايقدرش يتصور انها ماتبقاش بتاعته وملكه وسكنها وامانها مايبقاش حض,نه
ترددت شهد فى سؤاله بخفوت: يعني ماانتش مش زعلان مني؟
ابتسم جلال ابتسامة مهلكة، وأطبق جبينه على جبينها كأنه يختم العهد: إزاي أقدر أزعل منك وانتي معشوقة روحي؟!… إنتِ مش فاهمة إنتِ بالنسبالي إيه يا شهد… أنا ضعيف قدامك، من أول يوم جت عيني عليكي فيه وانتي ساكنة جوايا… والليلة للي يتكتب فيها اسمك جنب اسمي كانت حلم دعيت كتير يتحقق
اتسعت ابتسامتها بين العبرات، وعادت تختبئ في صدره، وهمست بعشق: عايزه افضل في حض,نك… ما تبعدش عني ابدا
احتواها جلال بذراعيه بقوة، كأنه يخشى أن تذوب إن تركها، ثم أخذ يمسح دموعها بقبلات رقيقة، كأنه يمحى ذنبها بلمساته، قبلة تلو الأخرى، حتى تحولت دموعها إلى ابتسامة مرتعشة ممزوجة باللذة، بينما شغفه لم يتوقف عند هذا الحد، انحدرت قبلاته إلى شفتيها، فالتقت بهما بحرارة ولهفة،
وفي تلك اللحظة لم يعد بينهما جدارٌ ولا خوف، فقط حبٌّ صريح متأجحًا، إذ صارت شهد زوجته قولًا وفعلاً، قلبًا وجسدًا وروحًا.
تمت بحمدلله
بقلمي نورهان محسن