الانتقام حكايات علي ابو الدهب
رجعت البيت متأخرة 15 دقيقة بس. جوزي ضربني بالقلم، وأمه أجبرتني أطبخ وأنا في الشهر السابع.. ولما بدأت أنزف على أرضية المطبخ، بصيت في عينه بكل قوة وقلتله: “اطلب أبويا حالاً”.
باب الشقة اتقفل ورايا بصوت رعب، تحس كأنك في فخ.
الساعة كانت 7:15.
تأخير 15 دقيقة.. ربع ساعة بس!
بس في البيت ده، الربع ساعة كفاية جداً عشان العشا يتحول لعقاب.
لسه بحط شنطتي، وبدر خرجلي في الطرقة.
قدام الناس، جوزي “بدر بيه” ده راجل مثالي.. لبس غالي، ضحكة تجنن، من نوعية الرجالة اللي الناس بتثق فيهم من أول نظرة.
لكن ورا الأبواب المقفولة، خصوصاً لما يشرب، بيتحول لشخص تاني خالص.
”عارفة الساعة كام يا زبالة؟” زعق وهو بيقرب مني.
حاولت أشرح: “كان فيه حالة طوارئ في الشغل.. حاولت أتصل بيك بس..”
القلم نزل على وشي بقوة خلت الدنيا تسود قدامي لثواني.
حسيت بطعم الدم في بوقي.. طعم معدني سخن.
حطيت إيدي على خدي والوجع بيحرقني، بس الدموع اللي نزلت مكنتش من الوجع، كانت من الصدمة إن الموضوع بقى “عادي” عنده.. إزاي بيتحول من النرفزة للغل ده في ثانية!
وأنا في السابع، أي حركة بتهد حيلي.
بس بالنسبة لبدر، أنا مكنتش مراته ولا شايلة ابنه.. أنا كنت مجرد خدامة اتأخرت عليه.
“مش عايز أعذار” نهج وهو بيزقني، “أمي مستنية العشا.. غوري على المطبخ.”
حماتي “فوزية هانم” كانت قاعدة على السفرة كأنها ملكة مستنية الجواري.
بصتلي بطرف عينها وهي بتخبط ضوافرها في الكأس:
“أخيراً شرفتي! عايزة اللحمة مستوية نص سوا، والشوربة تتعمل فريش.. مش عايزة قرف معلبات.”
ربطت المريلة على بطني المنفوخة وإيدي بترتعش.
رجلي كانت وجعاني، وضهري بيتحرق، والدنيا بتلف بيا.
ومع ذلك طبخت.. ساعة كاملة واقفة بتهان منها على كل تفصيلة.
“بطيئة.. غبية.. صوتك عالي.”
كل كلمة كانت بتفكرني إني في نظرهم ولا حاجة.
قطعت الخضار.. قلبت الشوربة.. تبلت اللحمة.. وكنت بحاول أخد نفسي كل ما الدوخة تزيد.
ممنوع أقعد.
لما جيت أحط الشوربة قدامها، إيدي اتنفضت والطبق كان هيقع.
فوزية دقت معلقة واحدة وراحت تافهاها على الأرض!
“ملحها عالي.. إنتِ عايزة تسمميني؟”
وبعدين بصتلي بضحكتها الخبيثة وقالت: “حتة حثالة.. طالعة لأبوكي الشحات.”
هنا، فيه حاجة جوايا انكسرت.
مش عشان الشوربة ولا الإهانة.. عشان أبويا!
أبويا اللي شقي طول عمره عشان يربينا.. اللي كان بيحرم نفسه من الأكل عشان آكل.. اللي بيحبني بجد، حب ناس زي دول عمرهم ما هيفهموه.
”متقوليش على أبويا كدة” قلتها بصوت واطي ومرعوش.
فوزية قامت فجأة والكرسي صرخ على الأرض: “إنتِ بتردي عليا يا جربوعة؟”
وراحت زقاني بكل قوتها!
فقدت توازني تماماً.
ضهري خبط في رخام المطبخ الناشف، وحرف الرخامة دخل في بطني بقوة قطعت نفسي.
وجع عمري ما حسيت بيه.. وجع بيعمي العين.
وفجأة، حسيت بحاجة دافية بتسيل على رجلي.
بصيت لتحت.. لقيت دم.. دم أحمر فاقع بيغرق الأرض.
”بدر! الحقني! ابنا بيموت.. ارجوك!”
كنت مرمية على الأرض، إيد ماسكة بطني وإيد غرقانة في دمي، وجوزي واقف بياكل!
بكل برود.. كأني عطلته عن السهرة.
مفيش في وشه خوف، مفيش لهفة.. مفيش غير القرف.
“بلاش دراما” قال وهو بيمضغ، “بهدلتي الأرض بدمك.”
وبعدين ضحك.. ضحكة باردة تخوف.
حاولت أوصل لموبايلي، شافه وراحل ضاربه برجله بعيد تحت الدواليب.
وقتها بصتله بجد.. بصت للراجل اللي اتجوزته.. لأبو الطفل اللي بيموت.. للوحش اللي واقف يتفرج عليا وأنا بنزف.
وقلت الكلمة اللي محدش فيهم اتوقعها:
“اطلب أبويا حالاً.”
بدر ضحك تاني وقرب مني: “أبوكي؟ الميكانيكي المعفن اللي من الأرياف؟ هيعمل إيه يعني؟ هييجي يعيط جنبك؟”
وفوزية كملت بمسخرة: “خليه يطلبه.. نفسي أشوف العجوز الشحات وهو بيبوس رجلينا عشان ميرمكيش في الشارع.”
الوجع كان بيقطع جسمي حتت.. الرؤية بدأت تروح وتيجي.. وصوت قلبي كان بيدق في وداني زي الطبل.
بس مكنتش بترجاهم خلاص.
بصيت في عين بدر مباشرة، وإيدي غرقانة دم، وقلت تاني بصوت زي الصخر:
“اطلب.. أبويا.”
لأن محدش فيهم كان عنده أدنى فكرة “أبويا” ده يبقى مين بجد!
بدر مسك الموبايل وهو بيضحك بسخرية، وفتح السبيكر وهو بيبص لأمه “فوزية” اللي كانت بتعدل شياكتها وبتشرب ميتها ببرود. رن الجرس مرتين، وفجأة جيه الرد.. صوت هادي، عميق، وواثق لدرجة ترعب:
“كنت مستني مكالمتك يا بدر.. بس كنت فاكرك أذكى من كدة وهتأخرها شوية.”
ضحكة بدر اختفت، وملامحه اتقلبت حيرة: “أنت بتقول إيه يا راجل يا خرفان؟ بنتك بتموت بسب قلة أدبها، تعالى شيل شيلتك بدل ما أرميها في مستشفى المجانين.”
أبويا رد بنفس الهدوء اللي يسبق العاصفة: “بنتي مش بتموت.. بنتي بتنهي تمثيلية بدأت من سنتين. افتح الباب يا بدر، أنا واقف قدامه.”
في لحظة، “بدر بيه” و”فوزية هانم” بصوا لبعض برعب. مين ده اللي واقف قدام الباب؟ وإزاي عرف؟ والأهم.. إزاي صوته اتغير كدة؟
بدر فتح الباب وهو بيترعش، ودخل أبويا.. بس مكنش “عم منصور الميكانيكي” اللي بهدومه المزيتة. كان لابس بدلة رسمية سوداء، ووراه شخصين بملابس رسمية، واحد منهم شايل شنطة طبية وجري عليا فوراً.
بدر رجع لورا وهو بيبرق: “أنت مين؟ وإيه اللبس ده؟”
أبويا مقربش منه، وقف بعيد وهو بيبص للدم اللي على الأرض وعينه بتلمع بنار لو طالتهم هتحرقهم:
“أنا منصور السيوفي.. اللي أنت فاكره ميكانيكي، كان بيصلح ‘عربيات’ عشان يفهم نوعية البشر اللي زيك بتفكر إزاي. بنتي كانت بتنفذ مشروع تخرجي منها كـ ‘دكتورة علوم سياسية’ في دراسة الطبقات الاجتماعية المريضة.. بس الظاهر إن دراستها كانت صح، أنت وأمك مش محتاجين دراسة، أنتوا محتاجين إبادة.”
فوزية قامت تزعق بصوت مهزوز: “سيوفي مين وكلام فارغ إيه؟ أنت حتة شحات!”
أبويا شاور لواحد من اللي معاه، فطلع ملف وحطه على السفرة:
ده ملف بكل مليم بدر سرقه من الشركة اللي هو فاكر إنه شريك فيها.. الشركة دي ملكي يا فوزية هانم، وبدر مجرد موظف صغير اترقى بالصدفة عشان بنتي حبت تشوف ‘القاع’ بيعمل إيه لما بيطلع على الوش.”
بدر وقع على ركبه وهو شايف الراجل اللي كان بيحتقره بيتحول لغول.
أبويا قرب مني، شالني بين إيديه بحنان ومسح على راسي وهو بيهمس: “حقك جيه يا نور.. اللعبة خلصت، والحساب بدأ.”
وهو خارج بيا، التفت لبدر وقال جملة واحدة خلت بدر يتبول على نفسه من الخوف:
“البلاغ اتقدم.. والدم اللي على الأرض ده، تمنه مش سجن.. تمنه إنك مش هتشوف الشمس تاني لا أنت ولا الست الوالدة. الميكانيكي بيعرف يفك المكن حتة حتة.. تخيل هعمل فيكم إيه؟”
خرجنا من البيت، وصوت صريخ فوزية وهي بتترجى أبويا كان مالي الطرقة، بس خلاص.. الوحش اللي جوا “الميكانيكي” صحي، ومحدش هيقدر ينقذهم
بدر كان لسه واقف مكانه مشلول، الملفات اللي على السفرة كانت هي “حبل المشنقة” اللي أبويا لفه حوالين رقبته. في ثواني، اتحول البيت من مملكة “فوزية هانم” لساحة تحقيق.
نزلني أبويا بالراحة في العربية الإسعاف اللي كانت مستنية تحت، ورجع وقف قدام بدر اللي كان بيحاول يلم الورق بإيد بتترعش.
أبويا بص له بنظرة خلت بدر يرجع لورا لحد ما خبط في الحيطة:
“كنت فاكر إن الـ 15 دقيقة تأخير ج*ريمة؟ أنا بقى هخليك تحسب الثواني في زنزانة ضلمة.. الـ 15 دقيقة دول هم اللي كشفوا لي إنك مش بس خاين للأمانة، أنت خاين للدم.”
بدر بدأ يتأتأ: “يا.. يا عم منصور.. قصدي يا باشا.. دي كانت لحظة غضب.. نور مراتي وحبيبتي..”
”نور مش مراتك!”
الكلمة نزلت عليهم زي الصاعقة. أبويا طلع ورقة تانية من جيبه:
“الجوازة دي كانت جزء من ‘الاختبار’.. والمأذون اللي جوزكم كان واحد من رجالي، والورق اللي وقعت عليه كان تنازل عن كل مليم تملكه أو هتملكه في المستقبل مقابل إنك تعيش في وهم إنك ‘بيه’.”
فوزية هانم بدأت تلطم على وشها: “يا مصيبتي! يعني إحنا في الشارع؟”
أبويا بص لها باحتقار: “الشارع؟ ده أنتم تحلموا بيه. الدم اللي سال من بنتي في المطبخ ده، هتدفعوا تمنه في المحاكم.. بتهمة الشروع في ق*تل، والنص*ب، والس*رقة. أما الطفل اللي في بطنها.. فده ‘سيوفي’ حر، ملوش علاقة بدمكم المسموم.”
في اللحظة دي، دخلوا اتنين من الحرس، وسحبوا بدر من قفاه زي الكلب، وفوزية كانت بتصرخ وهي شايفة العفش والبيت بيتجمع في كراتين.. كل حاجة كانت ملك “منصور السيوفي”.
بعد شهر..
كنت قاعدة في جنينة فيلا أبويا، بطني بدأت تبرز أكتر، والوجع اختفى وحل مكانه هدوء غريب. أبويا جه وقعد جنبي، وحط قدامي جورنال الصبح.
كان فيه خبر صغير في صفحة الحوادث:
”الحكم على رجل أعمال شاب ووالدته بالسجن المؤبد في قض*ية غسيل أموال وشروع في ق*تل.”
بصيت لأبويا وقلتله: “كنت عارفة إنك هتيجي في الوقت المناسب.”
أبويا ابتسم وهو بيمسك إيدي: “أنا عمري ما غبت يا نور.. كنت بس مستنيكي إنتي اللي تقرري إن ‘القاع’ مش مكانك، وإنك تستحقي تعيشي في النور.”
مسحت دمعة هربت من عيني وضحكت: “بس بجد يا بابا.. تمثيلية الميكانيكي كانت ضابطة معاك أوي!”
أبويا ضحك من قلبه: “أهم حاجة إننا فكينا ‘المكنة’ البايظة ورميناها في الخردة.. دلوقتي نركز في اللي جاي
بعد مرور ست شهور، كنت واقفة قدام مراية كبيرة في أوضة نومي الواسعة، لابسة فستان أبيض رقيق، وبشيل ابني “تميم” بين إيداي. تميم اللي بدر كان مستخسر فيه نقطة دم، دلوقتي بقى هو الوريث الوحيد لعيلة السيوفي.
سمعت خبطة هادية على الباب، كان أبويا. دخل وبصلي بفخر، وقرب باس راس تميم.
“جاهزة يا نور؟ النهاردة مش بس سبوع تميم، النهاردة اليوم اللي هنقفل فيه الصفحة دي للأبد.”
نزلنا الجنينة، والفيلا كانت متزينة بأرقى الديكورات، والشخصيات المهمة في البلد كلها كانت موجودة. وفي وسط الاحتفال، أبويا وقف ومسك المايك، وبص للناس كلها وقال:
“بشكركم جميعاً. النهاردة بنحتفل بتميم، وبنحتفل كمان بعودة بنتي نور لمكانها الطبيعي كمديرة تنفيذية لمجموعة السيوفي.”
الكل سقف، لكن في اللحظة دي، شفت واحد من رجالة أبويا بيقرب منه وبيهمس في ودنه. أبويا ابتسم وبصلي، وشاورلي أقرب.
“فيه حد بعتلك هدية يا نور.. بس الهدية دي جات من ورا القضبان.”
فتح أبويا ظرف أسود كان مع الراجل، وطلع منه ورقة مهلهلة، مكتوبة بخط إيد مرتعش. كانت رسالة من بدر:
”نور.. أنا بموت كل يوم مية مرة. أمي جالها شلل نصفي من الصدمة، وأنا هنا بيتعمل فيا اللي كنت بعمله فيكي وأكتر. أنا عرفت إنك خلفتي.. أرجوكي، خليني أشوف ابني مرة واحدة، ومش عايز حاجة تانية من الدنيا.”
بصيت للورقة ببرود تام، ومسكت ولاعة كانت على التربيزة وحرقت الورقة قدام عيون أبويا. الرماد طار مع الهوا، وبصيت لأبويا وقلتله:
“تميم ملوش أب يا بابا.. تميم جده هو منصور السيوفي، وأمه هي نور السيوفي. والماضي ده اتمسح يوم ما دمي غرق أرضية المطبخ.”
أبويا حضني وقالي: “كنت خايف عليكي من طيبة قلبك، بس دلوقتي اتطمنت إنك بنتي بجد.”
وفجأة، شفت وسط المعازيم وش غريب.. شاب وسيم، عينه كانت مراقباني من أول الحفلة بهدوء. لما عيني جت في عينه، رفع كاس العصير بتاعه وحياني بابتسامة غامضة، وكأنه بيقولي “الحكاية لسه مخلصتش، دي مجرد البداية”.
أبويا لاحظ نظرتي، ومال عليا وقالي بصوت واطي:
“ده (آدم).. ابن الراجل اللي بدر حاول يسرقه زمان. آدم هو اللي ساعدني أكشف حسابات بدر السرية.. والظاهر إنه مش جاي بس عشان يبارك.”
ابتسمت وكملت حفلي، وأنا عارفة إن اللي جاي في حياتي هيكون أقوى بكتير. أنا مش بس نجيت، أنا بدأت عصر جديد.. عصر ملوش مكان فيه للضعف.
تمت.