بنتي بترن عليا رغم أنها ميتة من عشر سنين

بنتي كانت ميتة بقالها عشر سنين أو على الأقل ده اللي الكل خلاني أصدقه. الليلة كانت برد بشكل غريب، والهواء بيصفر حوالين البيت الخشب الصغير اللي عايشة فيه لوحدي على أطراف بلدة هادية في ريف كنتاكي. من يوم ما دفنت ماريسول وأنا بقيت ست تانية، ست عايشة بنص روح، كل يوم عندها شبه اللي قبله، أصحى مع الفجر أأكل الفراخ، أنضف البيت، أولع الشمعة اللي قدام صورتها، وأقعد بالساعات أبص لملامحها في الصورة كأني مستنية الصورة ترد عليا. كنت دايمًا بحط قدامها كوباية مية جديدة كل يوم اتنين، عادة قديمة علمتهالي أمي، وكانت بتقول إن أرواح اللي بنحبهم بترتاح لما نفتكرهم بحب. عشر سنين كاملة وأنا بعيش على الذكرى دي، عشر سنين وأنا مقتنعة إن اللي اتحرق في العربية على الطريق السريع كان بنتي، رغم إنهم ما سمحوليش حتى أشوف وشها للمرة الأخيرة، قالولي الحادث كان صعب، وإن الأفضل أفتكرها زي ما كانت. وقتها كنت مكسورة لدرجة إني صدقت أي حد قال أي كلمة. الليلة دي كنت بعمل شاي بابونج قبل النوم، والبيت كله ساكت بشكل يخوف، لدرجة إني كنت سامعة صوت المعلقة وهي بتخبط في الكوباية كأنه جاي من بعيد. وفجأة رن تليفون البيت الأرضي. التليفون القديم اللي محدش استخدمه من

يوم ما جوزي مات. رنة واحدة، وبعدها التانية، وبعدها التالتة. قلبي بدأ يدق بعنف وأنا ماشية ناحية الصالة، مش عارفة ليه جسمي كله اتجمد. بصيت على الشاشة الصغيرة الرمادي، وحسيت الأرض بتميل بيا. الرقم كان رقم ماريسول. نفس الرقم اللي اتحفظ في قلبي قبل ما يتحفظ في أي تليفون. وقعت الكوباية من إيدي واتكسرت، لكني ما حسّتش بأي حاجة غير الرعشة اللي مسكتني. رفعت السماعة بإيد مرتعشة وقلت ألو؟ في الأول كان فيه تشويش خفيف، بعدين نفس متقطع، وبعدها صوت بنت بيعيط بهدوء. ماما حسيت قلبي وقف. نفس الصوت، نفس النبرة، نفس الطريقة اللي كانت بتنطق بيها الكلمة وهي صغيرة لما كانت تخاف من الضلمة. ما قدرتش أتكلم. دموعي نزلت لوحدها. وبعدين قالت بسرعة وكأنها خايفة الوقت يخلص ما تفتحيش الباب. بصيت تلقائي ناحية الباب، ولسه هسأل مين، سمعت خبط هادي تقيل. دق دق دق. حسيت جلدي كله قشعر. في راجل برّه يا ماما أوعي تفتحي. الصوت كان حقيقي لدرجة إني نسيت أتنفس. وفي اللحظة دي الراجل اتكلم من برّه يا مدام إلينا افتحي لو سمحتي، أنا جاي بخصوص بنتك. رجلي ما بقتش شايلاني. ماريسول همست اطفي النور. جريت طفيت نور المطبخ والصالة، وما فضلش غير نور الشمعة اللي قدام صورتها. البيت بقى غارق في ضلمة باهتة مخيفة، والراجل فضل يخبط بهدوء أعصاب. أنا مستر فارجاس عندي حاجة تخص ماريسول. الاسم ضربني زي صاعقة. فارجاس هو نفس الشخص اللي جالي من عشر سنين بأخبار الحادث، ونفس الشخص اللي فضل يقولي ما أسألش كتير. ماريسول قالت بصوت متقطع هو السبب يا ماما بس لازم تسمعيني كويس. كنت ببكي من غير صوت وأنا ضامة السماعة بإيدي الاتنين. قالتلي أروح للأوضة القديمة وأجيب الصندوق الأزرق اللي مخبية فيه حاجاتها. استغربت لأنها الحاجة الوحيدة اللي ما حدش يعرف عنها. دخلت الأوضة وأنا سامعة خطوات الراجل بيلف حوالين البيت من برّه، يقف عند كل شباك كأنه بيدور عليا. فتحت الدولاب وطلعت الصندوق المغطى بالتراب. أول ما فتحته طلعت ريحة الزمن، ريحة الصابون القديم والعمر اللي فات. لقيت البلوزة الصفرا، والمشط، والإسوارة الحمرا، وكشكول الأغاني بتاعها. لكن الكشكول كان مفتوح، وفي صفحة ناقصة. قلبي اتقبض. قالتلي اقري آخر صفحة. فتحتها ولقيت جملة مكتوبة بحبر أحمر لو حصلي حاجة، يبقى ماكانش حادث. إيدي بدأت ترتعش أكتر. سألتها ليه يا بنتي؟ إيه اللي حصل؟ سكتت ثواني طويلة، وبعدها قالت أنا كنت ههرب. الكلمة وقفت الزمن جوايا. قالت إنها اكتشفت أسرار ناس كبار في البلد، وإنها خافت، وإنها حاولت تمشي وتسافر وتبدأ حياة جديدة بعيد، لكن في الليلة اللي اختفت فيها قابلت شخص وثقت فيه، والشخص ده خدها لمكان بعيد وخلاها تختفي عن الكل. بس أنا ما متش يا ماما. الجملة دي خلت نفسي يختفي. حسيت الدنيا بتلف. سألتها وأنا ببكي أمال فين كنتي كل السنين دي؟ قالت إنها كانت عايشة بهوية تانية، مستخبية وخايفة ترجع، لأن ناس كتير كانوا عايزين يفضل السر مدفون. وإنها حاولت تتواصل معايا أكتر من مرة لكن كل مرة كانت بتفشل. سألتها ليه دلوقتي؟ ردت بسرعة لأنهم عرفوا إني رجعت. وفي اللحظة دي الخبط على الباب بقى أعنف، وصوت الراجل اتغير، بقى متوتر ومخنوق افتحي يا إلينا لازم نتكلم حالًا. ماريسول قالتلي روحي للمطبخ وافتحي الدرج اللي تحت الحوض. فتحت الدرج ولقيت مفتاح صغير ملفوف في قطعة قماش. قالتلي إنه يفتح مخزن قديم ورا البيت. خرجت وأنا برتعش، والهواء البارد بيضرب وشي، والراجل كان واقف بعيد عند السور يراقب البيت. جريت ناحية المخزن وفتحته. كان مليان كراكيب قديمة وصناديق مقفولة. قالتلي أدور تحت الأرضية الخشب. رفعت اللوح الخشب بالعافية، ولقيت علبة معدنية فيها صور وخطابات وأوراق قديمة. من بينها صورة لماريسول وهي
لمحة نيوز

واقفة جنب سيدة غريبة وطفلة صغيرة مبتسمة. سألتها مين دي، فسكتت ثواني وقالت دي بنتي. حسيت الدنيا كلها سكتت. ماريسول كان عندها طفلة وأنا ماكنتش أعرف. قالت إنها خبت الموضوع لأنها كانت خايفة، وإن ناس كتير كانوا بيحاولوا يسيطروا على حياتها ومستقبلها. وإنها لما حاولت تهرب ببنتها حصلت مشاكل خلتها تختفي وتحمي الطفلة بعيد عن أي خطر. كنت بعيط وأنا ببص للصورة، نفس عينين ماريسول، نفس الابتسامة. قالتلي اسمها لوسي وهي أمانة عندك دلوقتي. وفي اللحظة دي سمعت عربية بتقف بعيد، وبعدها صوت خطوات أكتر من شخص. ماريسول اتوترت وقالت اسمعيني كويس، هتلاقي عنوان جوه العلبة روحي هناك الصبح، وهتفهمي كل حاجة. سألتها برجاء طب انتي فين؟ عايزة أشوفك. سكتت، وبعدها قالت بصوت كله وجع وحنين أنا قريبة يا ماما أقرب مما تتخيلي. وفجأة الخط بدأ يقطع، وصوتها بقى بعيد. أوعي تثقي في حد بسهولة وخلي بالك من لوسي. وبعدها الخط فصل. وقفت في الضلمة ماسكة السماعة وبعيط، والبرد داخل في عظمي، لكن جوايا لأول مرة من عشر سنين حسيت إن بنتي لسه موجودة في الدنيا. لما النهار طلع، خدت العلبة والعنوان وركبت الأتوبيس لمدينة صغيرة بعيدة. طول الطريق قلبي كان بيدق كأني رايحة أقابل روح رجعت من الموت. وصلت بيت صغير أبيض حوالينه زرع وورود. خبطت الباب وأنا مش قادرة أتنفس. وبعد لحظات الباب اتفتح، وطلعت بنت صغيرة عندها حوالي تسع سنين، شعرها الغامق مربوط وعيونها واسعة دافية. أول ما بصتلي حسيت إني شايفة ماريسول وهي طفلة. البنت ابتسمت بخجل وقالت حضرتك تبقي تيته إلينا؟ ماقدرتش أرد. دموعي نزلت فورًا. وبعدها ظهرت ست كبيرة في السن وابتسمتلي بهدوء وقالت هي كانت مستنياكي من زمان. دخلت البيت وأنا حاسة إن الزمن رجع يتحرك بعد ما كان واقف عشر سنين. وعلى الترابيزة كانت فيه صورة جديدة لماريسول أكبر سنًا، مرهقة شوية، لكن حية. حية فعلًا. سألتهم عنها، فقالت الست إنها هتيجي قريب، وإنها كانت عايشة طول السنين دي مستخبية لحد ما تضمن إن بنتها تبقى بأمان. قعدت حضنت حفيدتي بالساعات وأنا مش مصدقة إن ربنا رجعلي جزء من بنتي بعد العمر ده كله. وبعد يومين بالليل، وأنا قاعدة في نفس البيت، الباب خبط بهدوء. قلبي وقف للحظة. قمت ناحية الباب، وإيدي بتترعش. ولما فتحته لقيتها واقفة قدامي. أكبر بعشر سنين، ملامحها متعبة، لكن نفس العيون، نفس الروح، نفس البنت اللي كنت بحلم أشوفها كل ليلة. فضلت باصة ليها وأنا مش قادرة أصدق، وهي ابتسمت وسط دموعها وقالت اتأخرت عليكي يا ماما بس رجعت. وفي اللحظة دي حسيت إن كل سنين الحزن والوحدة والخوف كانوا بينهاروا جوا واحد رجعلي الحياة من جديد.
فضلت واقفة قدام ماريسول وأنا حاسة إن الزمن وقف فعلًا، لا قادرة أتحرك ولا حتى أتنفس، وهي كانت واقفة عند الباب تبصلي بنفس النظرة اللي كانت بتبصهالي وهي صغيرة لما كانت ترجع من المدرسة وتجري تقولي إنها جعانة. عشر سنين من الحزن والخوف والأسئلة ذابوا في اللحظة دي، لكن الغريب إن قلبي رغم فرحته كان حاسس بثقل كبير، كأن كل اللي حصل لسه ما خلصش. ماريسول دخلت البيت بهدوء، وحفيدتي لوسي جريت عليها حضنتها بقوة وهي تضحك، وقتها بس صدقت إن اللي قدامي حقيقي، وإن دي مش روح ولا حلم من أحلام الوحدة اللي كانت بتزورني كل ليلة. قعدنا حوالين الترابيزة الصغيرة في المطبخ، نفس الترابيزة اللي كنت بقعد عليها أبكي سنين، لكن الليلة دي كانت مختلفة، الشاي سخن، ونور المطبخ دافي، وصوت الضحك الخفيف اللي طالع من لوسي كان كأنه بيرجع الروح للحيطان نفسها. فضلت أبص لماريسول بالساعات، أخاف أغمض عيني تختفي تاني. سألتها عن كل حاجة، عن السنين اللي ضاعت، عن سبب اختفائها، عن الراجل اللي كان بيخبط على بابي، وعن الحادث اللي اتقال إنه قتلها. ماريسول سكتت شوية، وبعدها بدأت تحكي بصوت هادي لكنه مليان تعب، قالت إنها قبل اختفائها بفترة كانت اشتغلت في مكتب صغير تابع لمجموعة ناس أصحاب نفوذ في البلد، وإنها بالصدفة عرفت معلومات كانوا مستعدين يعملوا أي حاجة علشان تفضل مستخبية، ولما حاولت تبعد وتعيش بعيد ببنتها حسّت إنهم بدأوا يراقبوها. قالت إنها في الليلة اللي اختفت فيها فهمت إن فيه حد ناوي يمنعها من السفر، فوافقت على خطة ساعدتها تختفي تمامًا، والكل يصدق إنها ماتت. سألتها وهي بتعيط ليه ما رجعتليش، فقالت إنها حاولت أكتر من مرة لكنها كانت خايفة إن أي ظهور ليها يأذيني أو يوصلهم لوسي. وأنا رغم وجعي كنت شايفة الخوف القديم لسه ساكن جوا عينيها، خوف إن حياتها ممكن تنهار لو حد عرف مكانها. الأيام اللي بعد رجوعها كانت غريبة عليا، كنت كل شوية أصحى من النوم أجري أبص عليها وهي نايمة علشان أتأكد إنها حقيقية، وكانت تضحك وتقولي إني لسه بعاملها كأنها عندها تسع سنين. ولوسي تعلقت بيا بسرعة، بقت تمشي ورايا في كل حتة، تساعدني أعمل الأكل وتسألني عن أمها وهي صغيرة، وأحيانًا كنت ألمح ماريسول وهي واقفة من بعيد تبص علينا بعين مليانة دموع كأنها بتحاول

تعوض السنين اللي راحت. لكن رغم الدفا اللي دخل حياتنا، كان فيه خوف مستخبي تحت كل لحظة حلوة. كل مرة عربية غريبة تعدي جنب البيت، ماريسول تتوتر وتسكت. كل مرة التليفون يرن، تبصلي بسرعة كأن قلبها هيقف. وفي ليلة ممطرة بعد حوالي أسبوعين من رجوعها، كنت قاعدة أنا وهي في البلكونة الصغيرة نشرب قهوة، ولوسي نايمة جوه، لما قالتلي فجأة لو جرالي حاجة المرة دي أوعي تسمحي للطفلة تعيش خايفة زيي. اتعصبت وزعقت فيها لأول مرة من يوم رجعت، قلتلها كفاية خوف وإن الحياة مش هتفضل تطاردها طول العمر، لكنها بصتلي بابتسامة حزينة وقالت في ناس يا ماما عمرهم ما بينسوا. وبعدها بأيام حصل اللي خلاني أفهم إنها كانت عايشة سنينها كلها مستعدة للهروب في أي لحظة. صحينا على عربية واقفة بعيد عن البيت من الفجر، عربية سودا ما بتتحركش، والراجل اللي فيها قاعد يبص ناحية البيت بالساعات. ماريسول شحب وشها أول ما شافته، ولمّت حاجتها بسرعة وقالت إنها لازم تمشي. اتجننت، مسكت فيها وقلت إنها مش هتختفي تاني، لكن لأول مرة شفتها ضعيفة فعلًا، عينيها مليانة رعب حقيقي. قالتلي إن وجودها معانا بقى خطر، وإنها لازم تخلص الموضوع بنفسها علشان لوسي تعيش طبيعية. لوسي صحيت وقتها وفضلت تعيط وتتعلق فيها، وماريسول حضنتها جامد وهي بتحاول تبتسم، لكن دموعها كانت بتنزل من غير ما تحس. قبل ما تمشي ادتني ظرف مقفول وقالتلي ما افتحوش إلا لو اتأخرت. وبعدها خرجت من الباب وسط المطر وأنا قلبي بيتقطع وأنا شايفاها ماشية بعيد. اليوم الأول عدى والتاني والتالت، وماريسول ما رجعتش. كنت بموت من القلق، ولوسي كل ليلة تسألني إمتى ماما هتيجي، وأنا أكذب وأقول قريب. بعد أسبوع فتحت الظرف وأنا برتعش. كان فيه ورق كتير ورسالة بخط إيدها. كتبت إنها تعبت من الهروب، وإنها قررت تواجه كل حاجة علشان تحمينا للأبد، وإنها لو ما رجعتش يبقى على الأقل لوسي هتعيش من غير خوف. لكن أكتر جملة كسرتني كانت أكتر حاجة وجعتني في حياتي إني حرمت نفسي من حضنك عشر سنين. فضلت أعيط بالساعات وأنا ضامة الورقة على صدري. وبعد يومين بالليل، وإحنا قاعدين أنا ولوسي في الصالة، سمعنا عربية وقفت قدام البيت. قلبي وقع. فتحت الستارة بإيد مرتعشة، وشفت ماريسول نازلة من العربية. جريت ناحية الباب قبل حتى ما تخبط. أول ما دخلت حضنتني بقوة وهي بتضحك وبتعيط في نفس الوقت، وقالت خلص كل شيء. ما فهمتش وقتها كل التفاصيل، ولا سألت. كان كفاية عندي إنها رجعت. ومن بعدها الحياة بدأت تتغير فعلًا. ماريسول اشترت بيت صغير قريب من بيتي، ولوسي دخلت المدرسة، وبقينا نتعشى سوا كل ليلة. البيت اللي كان مليان صمت بقى مليان صوت ضحك وأكل وريحة كيك. حتى الفراخ اللي كنت بكلمهم من الوحدة بقى عندي ناس أكلمهم غيرهم. وفي يوم من الأيام، لوسي دخلت عليا وهي ماسكة كشكول قديم وقالتلي إنها لقت أغاني أمها. قعدت تغني بصوتها الصغير، وماريسول كانت واقفة تسمعها ودموعها بتنزل بهدوء. وقتها بس فهمت إن الروح ممكن تتكسر سنين طويلة، لكن الحب الحقيقي يعرف يرجعها للحياة. وبعد شهور، في عيد ميلاد لوسي العاشر، البيت كان مليان ناس لأول مرة من سنين، جيران وضحك وتورتة وشموع، وماريسول كانت واقفة تبص للمشهد كله كأنها بتحاول تحفظه جوا قلبها. قربت مني وقالتلي فاكرة لما كنتي كل يوم تغيريلي كوباية المية قدام الصورة؟ هزيت راسي وأنا مبتسمة. قالت أنا كنت حاسة بيكي حتى وأنا بعيدة. وقتها ما قدرتش أتكلم، بس، وحسيت إن السنين اللي اتسرقت مننا أخيرًا بدأت تتعوض. وفي آخر الليل، بعد ما الكل مشي، خرجت أنا وهي نقعد قدام البيت تحت السما. النجوم كانت واضحة والهوا دافي بشكل غريب. قالتلي بهدوء عارفة أكتر حاجة اتعلمتها بعد كل اللي حصل؟ سألتها إيه، فابتسمت وقالت إن الإنسان ممكن يعيش سنين مستخبي من الدنيا كلها لكنه ما يقدرش يعيش يوم واحد بعيد عن اللي بيحبه بجد. بصيتلها وأنا حاسة إن قلبي أخيرًا ارتاح بعد عشر سنين من الحزن. ولأول مرة من يوم ما اختفت، طفيت الشمعة اللي قدام صورتها مش علشان نسيتها، لكن علشان ما بقاش عندي صورة أتكلم معاها. بقيت عندي بنت رجعتلي من الضياع، وحفيدة رجعت الضحك للبيت، وحياة كنت فاكرة إنها انتهت لكنها بدأت من جديد. وفي الليلة دي، قبل ما أنام، سمعت صوت ماريسول وهي بتضحك جوه الأوضة مع بنتها، فابتسمت وسط الضلمة وغمضت عيني وأنا حاسة إن ربنا أخيرًا ردلي العمر اللي اتسرق مني وزي ما الموت خطفها مني مرة، الحب رجعها لي من جديد، أقوى، وأحن، وأقرب من أي وقت فات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *