ظلم حماتي حكايات علي ابو الدهب
حماتي حطت لي منوم في الشوربة ودخلت واحد غريب أوضتي عشان تدمر جوازي. بس فاتها حاجة واحدة: إني منمتش أصلاً، وفي كاميرا مستخبية سجلت حتى ريحة كذبها. كمال جوزي جه وهو قايد نار، وعيلته كلها وراه. كانت بتعيط وتقول: “قفشتها مع راجل تاني”. وأنا، والشوربة لسه منزلتش بطني، سألتهم بكل برود: “تحبوا تشوفوا الفيديو الأول؟”
ست هانم كانت بتكرهني من يوم ما دخلت البيت.
لا لأني زوجة وحشة، ولا لأني كسلانة، ولا لأني مش مخلصة.. كانت بتكرهني بس عشان ابنها اختارني من غير ما ياخد إذنها.
من يوم ما اتجوزت كمال، وهي مش سيباني في حالي، وكل شوية تفكرني إن البيت ده “مش بيتي”. كانت بتقولي والكل مش سامع:
— “الكنّة بتدخل بالفستان الأبيض، وبتخرج بشنطة سودة”.
كنت بسكت.. في الأول احتراماً، وبعدين تعباً، وفي الآخر عشان كنت بجمع أدلة.
في الليلة دي، عملت شوربة لسان عصفور. غريبة! ست هانم عمرها ما طبخت لي حاجة. حطت الطبق قدامي بابتسامة صفرا وقالت:
— “كلي يا حبيبتي، باين عليكي التعب”.
أول ما المعلقة قربت من بوقي، شميت ريحة غريبة.. ريحة مرارة. دوا مطحون. أمي كانت بتاخد منوم من سنين، والريحة دي مابتتنسيش.
مابلعتش.. مثلت إني باكل. رفعت المعلقة وبميل وشي نزلت الشوربة في المنديل اللي على رجلي. ست هانم كانت عينيها في عينيا، مستنية جفوني تقفل.
— “انتي كويسة؟” سألتني.
— “آه.. بس نعست فجأة”.
ابتسامتها وسعت، وقتها اتأكدت إن الست دي مش بس عايزة تشوفني نايمة، دي عايزة تشوفني مدمرة. قمت ببطء كأني دايخة ودخلت أوضتي. قبل ما أترمي على السرير، دوست على زرار صغير ورا المراية. الكاميرا كانت شغالة. كنت مركباها من تلات أسابيع بعد ما لقيت غياري متبهدل، وبرفاني مرمي، ورسايل كذب متبوعة من موبايلي.
كمال مكنش بيصدقني أبداً. كان يقولي: “أمي متعملش كدة”.
طبعاً.. أمه اللي السبحة في إيديها والسم على لسانها.
نمت على السرير، غمضت عيني وهديت نَفَسي. فات ربع ساعة، وسمعت الباب بيفتح.
دخلت ست هانم الأول. خطواتها كانت خفيفة وواثقة كأنها رتبت الج*ريمة دي ألف مرة. قربت من وشي ولمست خدي وهمست:
— “نايمة زي القتيلة”.
ماتحركتش، رغم إني كنت عايزة أرجع من القرف، بس استملت. بعدها سمعت صوت راجل.
— “ولو صحيت؟”
— “مش هتصحى، أنا حطيت لها جرعة تمام”.
الغريب دخل.. ريحته سجاير وبرفان رخيص. ست هانم أمرته يقلع جاكتته ويقعد على طرف السرير.
— “تنام جنبها شوية، وأول ما ابني يوصل، اهرب أنت.. وأنا هصوت، وهو يشوف، وكدة خلصنا”.
— “طب وفلوسي؟”
— “تاخدها لما تترمي برا البيت”.
جسمي قشعر. الموضوع مكنش بس طلاق، دي كانت عايزة تشرّدني.. من غير سقف، من غير سمعة، من غير سند.
الراجل قرب مني قوي، وأنا ضامة قبضة إيدي تحت الغطا. ست هانم نكشت السرير، ورمت كباية على الأرض، وفكت زرارين من قميصي. كل ثانية كانت بتتسجل.. كل كلمة، كل لمسة، كل كذبة وسخة.
خرجت الصالة وبدأت التمثيل:
— “كمال! يا ضنايا تعال بسرعة! مراتك معاها راجل!”
باب الشقة اتفتح فجأة، وسمعت صوت جوزي المذعور:
— “فيه إيه؟”
— “قولتلك! قولتلك ميت مرة البت دي متسواش بصلة!”
دخلوا كلهم.. كمال، وأخته، وعمه، واتنين من الجيران، حتى ابن عمه اللي كان بيبص لي بصات مش مريحة. الغريب عمل نفسه خايف وجري عشان يهرب، بس قبل ما يعدي العتبة، فتحت عيني وقولت:
— “لو مشيت، هتبقى موجود في الفيديو أنت كمان”.
الأوضة كلها اتجمدت. ست هانم صرخت:
— “دي صاحية!”
قمت ببطء، راسي كانت بتلف بس من الغل مش من النوم. كمال كان وشه أبيض كأنه ميت:
— “نادية.. إيه ده؟”
— “ده اللي أنا كمان عايزة أعرفه”.
شاورت على الشوربة اللي على الكومودينو، وبعدين على المراية، وبعدين على أمه.
— “أمك خدرتني، ودخلت الراجل ده أوضتنا، وعملت المسرحية دي عشان ترميني في الشارع”.
ست هانم حطت إيدها على قلبها:
— “كدابة! دي اتجننت! شوفوا بتقول إيه! المنوم لحس دماغها!”
سألتها ببرود:
— “منوم إيه؟”
سكتت. كمال بص لها.. كان فات الأوان.
طلعت موبايلي من تحت المخدة وربطته بشاشة التلفزيون. إيدي كانت بتترعش، بس صوتي كان زي السيف:
— “قبل ما حد يتهمني في شرفي، شوفوا الحكاية بدأت إزاي”.
الشاشة نورت. ظهر المطبخ.. ست هانم مديانا ضهرها.. طبق الشوربة.. الهون.. والبرشام الأبيض وهو بيطحن.
كمال نفسه انقطع. أخته رجعت خطوة لورا. الغريب وطى راسه في الأرض. وفي اللحظة اللي ست هانم قالت فيها في الفيديو اسم الشخص اللي دفع لها فلوس عشان تدمرني، كمال همس بكسرة:
— “يا أمي..”
كمال لف وشه لأمه، ملامحه كانت بتتحول من الصدمة للرعب. الفيديو مكملش بس عند مشهد الشوربة، الكاميرا اللي كانت ورا المراية جابت “الماستر سين”.
ظهرت ست هانم وهي بتعد الفلوس للراجل الغريب وبتقوله:
— “خد دول.. والباقي لما كمال يطلقها بالثلاثة ويطردها بقميص نومها في الشارع.. عايزة الفضيحة تجلجل في المنطقة كلها.”
السكوت اللي ساد الأوضة كان أرعب من أي صريخ. كمال بص للراجل اللي واقف مرعوب، وقرب منه بخطوات بطيئة، وفجأة نزلت قلم على وشه خلى الراجل يترمي على الأرض.
— “مين اللي باعتك؟” كمال سأله بصوت طالع من جهنم.
الراجل وهو بيترعش شاور على أمه وقال:
— “والله هي.. قالت لي إنها مراتك وإنك عايز تطلقها بس مش لاقي طريق، وإن ده تمثيل عشان تخلص منها!”
هنا ست هانم حاولت تعمل آخر محاولة ليها، وقعت على الأرض وفتحت في الصويت:
— “الحقني يا كمال.. قلبي.. دي عاملة لي سحر.. الفيديو ده متفبرك.. البت دي شيطانة!”
كمال بص لها بنظرة عمري ما شفتها في عينه قبل كدة. نظرة واحد اكتشف إن السند اللي كان بيتحامى فيه هو اللي كان بيحفر له قبره. قرب منها ببرود مرعب، ومسك إيدها اللي كانت بتترعش، وقال لها:
— “قومي يا ست هانم.. قومي عشان “سحرك” هو اللي اتقلب عليكي. الفيديو مش بس فيه الشوربة والراجل، ده فيه كمان اعترافك إنك سرقتي دهب أختي الشهر اللي فات ولبستيه لنادية.”
أخته شهقت وبصت لأمها بذهول، وعمه خبط كف على كف وخرج وهو بيقول: “لا حول ولا قوة إلا بالله.. دي مش عيشة دي غابة.”
كمال لفت لي، عينه كانت مليانة دموع وندم، حاول يلمس إيدي وهو بيقول:
— “نادية.. أنا..”
سحبت إيدي ببرود، وبصيت له وبصيت لكل اللي واقفين، وقلت الكلمة اللي كنت محوشاها من سنين:
— “الشوربة اللي كنتوا عايزين تسقوني منها سم، شربتوها كلكم دلوقتي. والبيت اللي كنت بتقولي يا حماتي إني هخرج منه بشنطة سودة؟ أنا فعلاً هخرج بشنطة سودة.. بس الشنطة دي فيها كرامتي اللي حاولتوا تدوسوا عليها، وفيها “الفلاشة” اللي عليها الفيديو ده، عشان لو فكرتي بس تجيبي سيرتي بالسوء، الفيديو هيبقى تريند على موبايلات العيلة كلها.”
كمال حاول يمنعني:
— “يا نادية متظلمنيش، أنا كنت مغمى عليا، مكنتش أعرف إنها توصل لكدة!”
رديت عليه وأنا بلبس عبايتي وبفتح باب الشقة:
— “الظلم مش بس إنك تعمل الغلط، الظلم إنك تفتح بابك للي بيغلط وتغمض عينك وتسميه “بر والدين”. أنت كنت بتشوفني بتدبح قدامك وتقولي “استحملي دي أمي”. أهي أمك اهي.. أشبع بيها.”
خرجت والراس مرفوعة، وسمعت ورايا صوت خناقهم اللي ملوش آخر، وشهقات حماتي اللي مبقتش تخوفني. لأول مرة أحس بنسمة هوا نضيفة، ولأول مرة أعرف إن “الشوربة المرة” كانت هي الدافع اللي محتاجاه عشان أبدأ حياتي من جديد.. بعيد عن بيت ملوش أمان.
نزلت السلم وأنا مش شايفة قدامي من دموع القهر اللي اتحولت لدموع نصر. كمال نزل يجري ورايا، وصوته كان بيترجى في مدخل العمارة:
— “نادية! استني يا نادية! مش هتمشي في وقت زي ده.. الدنيا ليل، وأنا مش هسيبك تخرجي وأنا عارف إني جنيت عليكي!”
وقفت وبصيت له، وبكل هدوء طلعت “الفلاشة” من جيبي ورفعتها قدام عينه:
— “عارف يا كمال؟ المنوم اللي أمك حطته في الشوربة كان أرحم بكتير من فوقاني على حقيقتك. أنت مش وحش، بس أنت “ضعيف”، والضعف في الرجولة بيق*تل أكتر من السم.”
— “هصلح كل حاجة والله! هخرجها من البيت.. هوديها تعيش مع أختي.. هعمل اللي أنتِ عايزاه!” كمال قالها وهو بيحاول يمسك إيدي.
ضحكت بوجع وقلت له:
— “تخرجها فين؟ دي أمك. والبيت اللي يخرج الأم عشان خاطر الزوجة، والبيت اللي يغدر بالزوجة عشان يرضي الأم، الاتنين ميلهزمونيش. أنا عايزة بيت “أمان”، وأنت بيتك كان كمين.”
سيبته واقف مكانه مكسور، وركبت أول تاكسي قابلني. طول الطريق كنت بفكر في شكلها وهي بتترعش لما الفيديو اتعرض. الست دي مكنتش بتكرهني أنا، كانت بتكره “قوتي” اللي هي مملكتهوش يوم.
رحت عند بيت أهلي. دخلت وأنا مجهزة نفسي لكل الأسئلة. بس أول ما شفت أبويا، رميت الفلاشة على الترابيزة وقلت له:
— “يا بابا، أنا جيت ومعايا حقي.. مش عايزة حد يواسي كرامتي، أنا عايزة حد يسندني وأنا بخلص ورقي.”
مرت الأيام، وكمال مكنش بيبطل محاولات. رسايل، مكالمات، وتدخلات من ناس كبار. وحماتي؟ حماتي جالها جلطة خفيفة من الصدمة، مش عشان ندمانة، لكن عشان “الفضيحة” وسط الجيران بقت زي النار في الهشيم. الناس اللي كانت بتعمل لها ألف حساب، بقوا يمشوا يتهامسوا عليها: “دي اللي جابت راجل لمرات ابنها”.
بعد شهرين، كنت قاعدة في مكتب المحامي، وكمال قاعد قدامي. كان باين عليه إنه كبر عشر سنين.
— “مش مسمحياني يا نادية؟” سألني بصوت واطي وهو بيمضي ورقة الطلاق.
بصيت له وقلت له:
— “المسامحة دي لربنا يا كمال. أنا كل اللي كسبته من الحكاية دي إني عرفت إني غالية قوي، وغالية لدرجة إني مسمحش لنفسي أعيش “احتياطي” في حياة حد، ولا كبش فدا لغيرة ست مريضة.”
خرجت من مكتب المحامي، الشمس كانت قوية ومالية الشارع. شميت ريحة الهوا، ومكنش فيه ريحة “مرارة” ولا ريحة كذب. فتحت موبايلي ومسحت الفيديو.. مش عشان خاطرهم، لكن عشان مش عايزة في ذاكرتي أي حاجة تربطني بيهم.
النهاية.