وانا بطلع الصينية
وأنا بطلع صينية الديك الرومي التقيلة من الفرن، ريهام أخت جوزي زقتني جامد من ضهري.
الصينية مالت.
ودلق زيت بيغلي من الحرف وغرق رجليا الاتنين.
لثانية واحدة، الدنيا اسودت وفيش أي صوت في دماغي. لا صوت الأغاني، ولا الضحك اللي طالع من السفرة، ولا رنة الكاسات. مفيش غير صوت تشّة الزيت السخن وهو بياكل في جلدي، وبعدها صرختي اللي هزت المطبخ كله زي إنذار حريق مفيش حد عايز يسمعه.
وقعت على السيراميك. والصينية اتمطرت جنبي على الأرض. ريهام كانت واقفة فوقيا ببلوزتها الحمراء، وهي بتتنفس بسرعة، وعينيها بتلمع بحاجة غريبة… حاجة مكنتش خوف خالص.
حاولت أزحف بعيد عن الزيت اللي كان بيفرش في الأرض.
وطت عليا لغاية ما شعرها لمس خدي.
وهمست في ودني ده تمن إنك خطفتي أخويا من العيلة دي… المرة الجاية، الزيت ده هيبقى في وشك.
إيديا كانت بترتعش لدرجة إني مكنتش قادرة أتسحب لحد الباب. صرخت بأعلى صوتي الحقوني! حد يلحقني!
في الصالة بره، طنط ميرفت، أم جوزي، كانت لسه عمالة تضحك على نكتة قالها عمو رأفت. صوت ضحك عالي، وحد بيفتح قزازة حاجة ساقعة، وحد تاني بيزعق للكلب عشان ينزل من على الكنبة. كانوا سامعيني… أنا متأكدة إنهم سامعيني.
وفجأة طنط ميرفت ظهرت عند باب المطبخ وفي إيدها كاس عصير. بصت للديك الرومي اللي باظ، وبعدين لرجليا، وفي الآخر لريهام.
وقالت عملتي إيه تاني يا علا؟
الخمس كلمات دول وجعوني أكتر من نار الزيت نفسه.
ريهام عدلت وقفتها في ثانية وقالت دي اتزحلقت يا ماما، وأنا كنت بحاول ألحقها.
بحلقت فيها وأنا مش مصدقة. رجلي كانت بتولع نار، ونفسي كان طالع داخل بصعوبة ووجع. وقلت دي زقتني!
محدش اتمكّن من مكانه.
في اللحظة دي، جوزي محمود دخل من البلكونة وهو بينشف إيده بفوطة، وقال في إيه؟ إيه اللي حصل؟
ريهام
قعدت تعيط وتصوّت قبل ما أنا حتى أنطق بحرف.
وقالت وهي بتشهق بتتبلى عليا! في يوم زي ده! بعد كل اللي عملته في العيلة دي وبرضو مش عاجبها!
طنط ميرفت خدت بنتها وبصتلي وكأني حتة زبالة رميتها على سجادتها البيضا النضيفة.
سحبت نفسي على الأرض، وكل سنتي بتحركه كان بيبعث نار جهنم في رجليا، لغاية ما صوابعي لمست تليفوني اللي كان واقع تحت حرف رخامة المطبخ.
ريهام لمحت التليفون.
عياطها وقف فجأة.
وقالتلي بصوت واطي وفيه تهديد علا… بلاش غباء.
فتحت قفل الشاشة بصباعي اللي كان بيرتعد. مكلمتش الإسعاف… ولا كلمت محمود… ولا حتى اتصلت بأمي.
أنا فتحت الأبلكيشن اللي ريهام نسيت تماماً إني ثبتّه من أسبوعين.
كاميرا المطبخ حملت وفتحت…
واللمبة الحمراء بتاعة التسجيل كانت لسه منورة وبتنور وتطفي.
بس اللي ريهام مكنتش تعرفه، إن الزقة دي مكنتش الحاجة الوحيدة اللي لقطتها الكاميرا. كان فيه فيديو تاني اتسيف قبل العشا… فيديو لو شافوه، هيخلي وش كل واحد في البيت ده يقلب أبيض زي الأموات. بقية القصة تحت إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح التسجيل.
المطبخ سكت فجأة حتى صوت المروحة اللي فوق البوتاجاز حسّيته اختفى.
ريهام اتجمدت مكانها أول ما شافت شاشة التليفون.
ومحمود قرب مني بسرعة وقال إيه ده؟
رفعت التليفون ناحيته وضغطت تشغيل.
ظهر الفيديو الأول.
الصورة مهزوزة شوية من زاوية الكاميرا الصغيرة فوق التلاجة، بس كل حاجة كانت واضحة واضحة زيادة عن اللزوم.
ريهام وهي داخلة المطبخ قبلها بدقيقة. واقفة ورايا. بتبص على الصينية. وبعدين بتزقني بإيديها الاتنين بكل قوتها.
الصمت وقع على البيت كله.
طنط ميرفت شهقت وحطت إيدها على بقها. وعمو رأفت قام واقف مرة واحدة.
أما محمود وشه اتسحب كأن حد سحب الدم منه.
ريهام بصت حواليها بعينين زايغة وقالت بسرعة لا! دي الكاميرا باين عليها زاويتها خادعة! أنا كنت بهزر معاها!
بس الفيديو كان أوضح من أي كدبة.
صوتي طلع بالعافية ده الهزار اللي كنتِ هتحرقيني بيه؟
محمود لف ناحيتها ببطء وقال إنتِ مجنونة؟
لكن قبل ما حد ينطق تاني أنا فتحت الفيديو التاني.
وهنا ريهام فعلاً ابيضّ وشها.
الفيديو كان متسجل قبل العشا بربع ساعة.
ريهام داخلة المطبخ ومعاها طنط ميرفت. وكانوا فاكرين إن محدش سامعهم.
صوت حماتي طلع واضح لازم علا تبطل تتحكم في محمود الولد اتغير من يوم ما اتجوزها.
ريهام ضحكت وقالت سيبيها عليا. ليلة النهارده هتعرف مقامها.
وبعدين قربت من الفرن وفتحت درج تحت الرخامة.
طلعت منه علبة صغيرة.
قلبي وقف وأنا بشوفها تفتحها وتحط منها حاجة جوه صوص الديك الرومي.
محمود قرب للشاشة وهو مش مستوعب.
قلت وأنا نفسي بيتقطع أنا شوفتها قبلها وهي بتستخبى عشان كده ركبت الكاميرا.
طنط ميرفت بدأت تتلخبط ده ده ملح! كانت بتحط ملح!
لكن ريهام صرخت فجأة اسكتي يا ماما!
الصوت خلى الكل يبصلها.
ريهام بدأت ترجع لورا خطوة خطوة وشفايفها بترتعش.
وقالت أنا أنا مكنتش هأذيها
عمو رأفت خطف العلبة من على الرخامة وفتحها.
وساعتها ملامحه اتغيرت.
قال بصوت مخنوق ده منوّم.
محمود بص لأخته كأنه أول مرة يشوفها.
إنتِ كنتِ ناوية تعمليلها إيه؟
ريهام انفجرت في العياط أنا كنت عايزة أخوفها بس! كل حاجة بقت باسمها! البيت، العربية، حتى محمود مبقاش يقعد معانا!
طنط ميرفت بصتلها بصدمة حقيقية المرة دي. واضح إنها كانت فاكرة الموضوع مجرد غيرة وكلام.
لكن ريهام كانت اتخطت كل الحدود.
وفجأة رجليا خانتني.
الوجع ضرب جسمي كله مرة واحدة، ونفسي اتقطع، والدنيا بدأت تسود قدامي.
آخر حاجة شوفتها قبل ما أغمى عليا كانت محمود وهو بيزعق لأول مرة في حياته على أخته
اتصلي بالإسعاف حالًا!
فتحت عيني بعدها بساعات في المستشفى.
رجليا متلففة بالشاش. والريحة المعقمة مالية الأوضة.
محمود كان قاعد جنبي، وشعره مبهدل وعينيه حمرا من السهر.
أول ما فتحت عيني، قال بصوت مبحوح حقك عليا.
بصيتله من غير كلام.
فكمّل أنا طول عمري بسكت عشان البيت يفضل هادي ومخدتش بالي إن سكوتي كان بيكسرك إنتِ.
سكت شوية وبعدين مدلي تليفونه.
على الشاشة كان فيه محضر رسمي. وتحته اسم ريهام.
قال هي اتحولت للتحقيق وأنا نقلتكم من البيت كله.
حسيت دموعي بتنزل ببطء.
مش بسبب الحرق.
ولا بسبب الوجع.
لكن عشان أول مرة حد في البيت ده اختار يصدقني قبل ما يطلب مني أسامح محمود فضل باصص للتليفون كأنه ماسك قنبلة.
الرنة كانت عالية بشكل مرعب وسط الصمت.
مرة اتنين تلاتة
وفي الآخر رد.
حط السماعة على الاسبيكر من غير ما يبصلي.
وصوت ريهام طلع هادي بشكل أخوف من الصريخ إنتوا عرفتوا، صح؟
محمود بلع ريقه إنتِ فين؟
ضحكت ضحكة قصيرة باردة. مش مهم أنا فين المهم إنك أخيرًا بطلت تبص لأمك كإنها ملاك.
طنط ميرفت كانت قاعدة على الكرسي من ساعة ما الست مشيت، وشكلها منهار. أول ما سمعت صوت بنتها، قامت جري على التليفون ريهام! اسمعيني يا بنتي، اقفلي وماتعمليش مصايب!
لكن ريهام تجاهلتها.
وقالت فاكر يا محمود يوم بابا مات؟
إيد محمود شدت على التليفون.
إنتِ عملتي إيه؟
ثانية صمت عدت وبعدين قالت ماكنتش أقصد يموت.
حسيت الهوا اتسحب من الأوضة كلها.
طنط ميرفت شهقت ووقعت على الكنبة وهي بتعيط اسكتي! اسكتي بالله عليكي!
لكن ريهام كملت، وصوتها بدأ يهتز هو اللي زقني الأول وقال إنه هيوديني إصلاحية وأنا خفت.
محمود كان واقف كأن جسمه اتشل.
إنتِ قتلتي بابا؟
العربية كانت واقفة على المنحدر وأنا بس فكيت الفرامل كنت فاكرة إنه هيلحق ينزل.
أنا حسيت جسمي تلج.
ومحمود غمّض عينيه بعنف.
ريهام بدأت تعيط هستيري ماما قالتلي محدش لازم يعرف! قالتلي
لمحة نيوز
لو اتكلمت حياتنا كلها هتضيع!
كل الأنظار راحت لطنط ميرفت.
الست كانت بترتعش ووشها غرقان دموع.
وقالت بصوت مكسور كانت طفلة كنت بحاول أحميها
محمود لف لها ببطء.
عمري ما شفت حد مكسور بالشكل ده.
وقال فحميتيها وسبتِنا نعيش وسط واحدة ممكن تحرق أي حد؟
طنط ميرفت انهارت في العياط كنت فاكرة إنها كبرت واتغيرت
وفجأة صوت ريهام اتبدل.
بقى هادي جدًا.
وده كان أخطر.
قالت بس على فكرة أنا مش ندمانة على علا.
قلبي وقف.
كملت هي خدتك مني زي ما أبوك خد ماما مني.
محمود صرخ لأول مرة إنتِ مريضة!
وفي اللحظة دي سمعنا صوت باب عربية يتقفل بعنف من خلال المكالمة.
بعده خطوات سريعة.
ثم صوت ريهام وهي تضحك وسط عياطها بس متقلقوش أنا جاية أخد حاجتي الأخيرة.
محمود اتجمد. إنتِ تقصدي إيه؟
لكن المكالمة اتقفلت.
ثانية واحدة بس وجرس باب الشقة رن.
رنّة طويلة.
تقيلة.
مرعبة.
أنا حسيت الدم هرب من وشي.
ومحمود جري ناحية الباب، لكن قبل ما يفتحه سمعنا صوت معدني بيتحك من برّه.
صوت مفتاح.
ريهام كان معاها نسخة من المفتاح طول الوقت عدّى أسبوع.
كنت لسه بعرف أمشي بالعافية، وكل خطوة كأنها إبر بتتغرز في جلدي. الشقة الجديدة كانت هادية بشكل غريب مفيهاش صوت طنط ميرفت وهي تنتقد كل نفس باخده، ولا خبط أبواب ريهام، ولا التوتر اللي كان مالي البيت القديم كأنه غاز سام.
ومحمود اتغير.
بقى يصحى قبلي يعمل الفطار، يساعدني أبدّل الضمادات، ويقعد ساكت يبصلي أوقات طويلة كأنه لسه مش قادر يسامح نفسه.
لكن رغم الهدوء كان فيه حاجة غلط.
كل ليلة تقريبًا، كنت أصحى ألاقيه واقف في البلكونة بيكلم حد بصوت واطي. وأول ما أحاول أقرب، يقفل المكالمة بسرعة.
وفي مرة، لمحته ماسك ورقة وبيخبيها أول ما دخلت.
قلبي بدأ يوجعني من جديد.
مش خيانة لكن خوف.
خوف إن
يكون فيه حاجة
أكبر مستخبية.
وفي صباح يوم الخميس، كنت قاعدة على الكنبة ورجلي مرفوعة، لما الباب خبط.
محمود فتح واتجمد.
سمعت صوت ست بتقول أنا جاية أقول الحقيقة كلها.
قمت بصعوبة أبص.
كانت ست كبيرة في أواخر الخمسينات، لابسة إسدال رمادي، ووشها شاحب كأنها ما نامتش من أيام.
أول ما عيني جت في عينها قالت إنتِ علا؟
هزيت راسي بحذر.
الست دخلت بخطوات مترددة، وبعدين طلعت ظرف قديم من شنطتها.
وقالت أنا كنت شغالة عند خالتهم زمان وسمعت حاجة يوم الحادثة لازم تعرفوها.
محمود قال بتوتر حادثة إيه؟
الست بصتله ببطء. وقالت حادثة موت أبوكم.
الدنيا سكتت.
أنا كنت أعرف إن والد محمود مات من سنين في حادثة عربية. ده اللي العيلة كلها كانت بتقوله.
لكن شكل محمود دلوقتي كان شكل واحد بدأ يفهم إن حياته كلها مبنية على كدبة.
الست فتحت الظرف، وطلعت صورة قديمة باهتة.
فيها راجل واقف جنب عربية متكسرة.
وقالت أبوك ما ماتش في حادثة عادية.
محمود قرب منها وهو متجمد تقصدّي إيه؟
بلعت ريقها بصعوبة. وبعدين قالت الجملة اللي قلبت الأوضة تلج
أبوك كان ناوي ياخدك ويمشي لأن أمك كانت بتغطي على تصرفات ريهام من وهي صغيرة بعد اللي عملته في ابن الجيران.
قلبي دق بعنف.
ومحمود وشه ابيضّ.
قال بصوت مبحوح ابن الجيران؟
الست دموعها نزلت وهي تهمس ريهام كانت عندها ١٤ سنة وولّعت في أوضته بعد خناقة بينهم.
شهقت من الصدمة.
الولد عاش لكن اتحرق نص جسمه.
محمود رجع خطوة لورا كأنه اتخبط.
لا لا أمي قالت إن ده ماس كهربا.
الست هزت راسها وأبوك عرف الحقيقة. وكان عايز يبلغ الشرطة ويبعدكوا عنها لكن بعدها بيومين مات.
سكتت ثم بصت ناحية محمود وقالت
وفيه سبب إني ساكتة كل السنين دي لأني كنت خايفة.
مدّت إيدها بالظرف ناحيته.
بس بعد اللي حصل لمراتك عرفت إن ريهام ما اتغيرتش.
محمود فتح الظرف بإيد مرتعشة.
وكان جواه تقرير قديم. وصورة لمحضر رسمي متلغي.
وفي آخر الصفحة توقيع واضح باسم طنط ميرفت.
وفجأة، تليفون محمود رن.
بص للشاشة واتجمد أكتر.
أنا قلبي وقع لما شفت الاسم اللي ظاهر
ريهام محمود شدّني وراه بسرعة وهو بيبص للباب كأنه مستني وحش يدخل.
المفتاح لف ببطء
تك.
ثم الباب اتفتح سنة صغيرة.
وريهام ظهرت.
شعرها كان منكوش، والماسكارا سايحة حوالين عينيها، وبلوزتها السودا عليها تراب كأنها وقعت أو جريت لمسافة طويلة.
لكن أكتر حاجة خوفتني إنها كانت مبتسمة.
ابتسامة هادية جدًا.
قفلت الباب وراها بنفس البطء، وحطت شنطتها على الأرض.
وقالت البيت ده ريحته اتغيرت.
محمود وقف قدامي مباشرة وقال بحدة اطلعي برّه.
ريهام بصتله بحزن غريب. إنت خايف مني للدرجة دي؟
بعد اللي سمعته؟ آه.
ضحكت ضحكة قصيرة، وبعدين بصتلي أنا.
والله العظيم حسيت جسمي كله اتجمد.
قالت عارفة يا علا؟ أنا فعلًا حاولت أكرهك بس المشكلة إنك كنتِ دايمًا بتفكريني بنفسي زمان.
مافهمتش. لكن محمود صرخ كفاية لعب بعقول الناس!
ريهام اتنهدت وقعدت على طرف السفرة كأنها صاحبة البيت.
أصل محدش فيكم فاهم حاجة.
مدّت إيدها جوه الشنطة.
محمود جري ناحيتها فورًا وهو فاكر إنها طالعة سلاح.
لكنها طلعت ملف.
ورمته على الترابيزة.
الملف اتفتح لوحده، ووقعت منه أوراق قديمة وصور.
في صورة منهم بنت صغيرة عندها يمكن ١٠ سنين.
واقفة جنب راجل ضخم، وعينيها كلها خوف.
ريهام أشارت للصورة وقالت ده خالي.
صوتها اتغير تمامًا.
بقى صغير مكسور.
أول مرة لمسني كنت عندي تسع سنين.
الأوضة كلها سكتت.
حتى النفس بقى تقيل.
طنط ميرفت حطت إيدها على بقها وهي بتترعش ريهام
لكن ريهام بصتلها بكره عمري ما شفته في عين بني آدم.
إنتِ عرفتي وسكتي.
دموعي نزلت غصب عني.
محمود كان واقف مصدوم كأنه بيتفرج على حياة ناس تانية مش عيلته.
ريهام كملت وهي بتضحك بمرارة كل مرة كنت أقولك يا ماما إنه بيخوفني كنتِ تقولِي ما تفضحناش.
طنط ميرفت انهارت على الأرض وهي بتعيط ماكنتش أعرف يعمل فيكي إيه أقسم بالله ماكنتش أعرف!
بس عرفتي بعدين.
الصمت اللي بعدها كان خانق.
أنا لأول مرة خفت على ريهام.
مش منها.
عليها.
قالت وهي تبص للصورة يوم الحريق بتاع ابن الجيران هو كان قافل عليا الأوضة. وأنا ولعت في الستارة عشان يفتح الباب.
محمود همس يعني ماكنتيش تقصدي تحرقي الولد؟
هزت راسها بالنفي والدموع بتنزل ولا كنت أقصد أموت بابا.
سكتت شوية ثم بصتلي.
بس بعد سنين، بقيت لما أغضب بحس إني عايزة الدنيا كلها تتحرق.
قلبي وجعني.
لأن نظرتها وقتها ماكانتش نظرة شر.
كانت نظرة حد غرقان من سنين ومحدش حاول ينقذه.
وفجأة صوت صفارات شرطة طلع من الشارع تحت.
ريهام ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت واضح إن حد بلغ.
محمود بص للتليفون اللي كان لسه في إيده.
واضح إنه اتصل من غير ما نحس أثناء كلامها.
ريهام قامت بهدوء.
ومشت ناحية الباب.
لكن قبل ما تفتحه لفّت ناحيتي.
وقالت أنا آسفة على رجلك.
ثم بصت لمحمود وأنت حاول تفتكرني قبل ما أبقى الوحش. الوحوش مش بتتولد كده.
وفتحت الباب.
الشرطة كانت واقفة برّه.
لكن قبل ما الضابط يقرب منها ريهام رفعت إيديها بنفسها.
كأنها أخيرًا تعبت من الهروب بعد الليلة دي، البيت بقى ساكت بطريقة تخوف.
مش سكون راحة سكون بعد انفجار.
طنط ميرفت دخلت المستشفى بعدها بيومين بسبب هبوط حاد، ومحمود بقى يروح لها ويرجع من غير كلام كتير. أما أنا، فكنت بقضي ساعات طويلة أبص للشباك وأسأل نفسي سؤال واحد
إزاي عيلة كاملة تخبي كل ده سنين؟
لكن أكتر حاجة كانت مطلعاني من النوم كل ليلة كانت آخر جملة قالتها ريهام
الوحوش مش بتتولد كده.
بعد شهر تقريبًا، رجلي بدأت تتحسن، وقدرت أمشي من غير عكاز لأول مرة.
يومها محمود رجع البيت ومعاه ظرف أبيض.
وشه كان غريب مش حزن، ومش راحة.
ناولني
الظرف وقال دي رسالة من ريهام.
قلبي دق بعنف.
فتحتها بإيد مترددة.
وكان جواها ورقة واحدة بس، مكتوبة بخط مهزوز
علا
عارفة إن مفيش اعتذار يكفي. وعارفة إنك ممكن تكرهيني طول عمرك، ومن حقك.
بس فيه حاجة لازم تعرفيها.
يوم الزيت أنا فعلًا كنت ناوية أخوفك، مش أحرقك.
ولما النار لمست رجلك، أنا اتجمدت. للحظة شفت نفسي الصغيرة وشفت الستارة وهي بتولع، وشفت باب الأوضة وهو مقفول عليا.
أنا كنت بغرق جوا دماغي، ومحدش لاحظ.
الدكتور هنا قال إن عندي اضطراب صدمات قديم واتساب سنين من غير علاج.
مش بكتب ده عشان تبرريلي. ولا عشان تسامحيني.
أنا بكتب عشان لو في يوم خلفتوا بنت ولقيتوها خايفة، أو عنيفة، أو بتكذب، أو بتصرخ زيادة عن اللزوم
اسألوها مين وجعها قبل ما تسألوها عملت إيه.
ريهام.
خلصت قراية ولقيت دموعي نازلة في صمت.
محمود كان واقف بعيد، مستني أقول أي حاجة.
لكن ماعرفتش.
لأن الحقيقة كانت أتقل من الكره.
بعدها بأسابيع، محمود أخدني لمكان بعيد عن الزحمة، بيت صغير على البحر، وقاللي عايز أبدأ من جديد لو لسه ينفع.
بصيتله طويل.
ثم قلت ينفع بس بشرط.
ابتسم لأول مرة من شهور إيه؟
قلت مفيش سكوت على الغلط بعد النهارده. مهما كان مين.
هز راسه ببطء. والمرادي صدقته.
أما ريهام
فات سنة كاملة قبل ما أشوفها تاني.
كانت في جلسة علاج جماعي بإحدى المراكز، وأنا رحت هناك بالصدفة مع حملة دعم للناجيات من العنف.
أول ما شافتني، قامت واقفة بتوتر.
لكنها ماقربتش.
كانت أهدى بكتير. وشها خف فيه الغضب لأول مرة.
قالتلي بهدوء رجلك عاملة إيه دلوقتي؟
بصيتلها ثواني ثم قلت أحسن.
هزت راسها وكأنها ارتاحت.
وقبل ما أمشي، قالت أنا لسه بحاول أتعلم أبقى إنسانة طبيعية.
رديت عليها بهدوء كلنا بنحاول.
وسبتها قاعدة وسط الناس مش كوحش. ولا
كضحية كاملة.
بس إنسانة أخيرًا بدأت تواجه الحقيقة بدل ما تهرب منها عدى الوقت بهدوء غريب.
مش هدوء مثالي لكن هدوء مبني على حذر. زي بيت اتصلّح فيه حيطان متكسرة ولسه فيه شروخ صغيرة بتبان مع كل زلزال بسيط.
محمود بقى مختلف تمامًا. مش لأنه بقى مثالي، لكن لأنه بقى شايف. بقى يلاحظ أي توتر قبل ما يكبر، وأي كلمة قبل ما تتحول لخناقة. وده في حد ذاته كان تغيير مرهق أكتر مما هو مريح.
أنا كمان اتغيرت مش في جسمي بس، لكن في طريقتي في الثقة.
بقيت أسمع قبل ما أصدق.
وأبص قبل ما أحكم.
في يوم من الأيام، جالي اتصال من رقم مجهول.
صوت أنثوي هادي قال أنا من المركز ريهام عايزة تشوفك.
قفلت التليفون من غير رد.
وبعدها بساعتين، رجع نفس الرقم يرن تاني.
نفس الصوت مش هتطلب منك حاجة بس قالتلي تقابلك مرة واحدة. وقالت مهم.
سكت شوية وبعدين أغلقت.
لكن طول الليل، ماعرفتش أنام.
مش عشان خايفة منها.
لكن عشان جزء مني كان عايز يفهم إيه اللي لسه ناقص في الحكاية.
بعد يومين، لقيت نفسي واقفة قدام المركز.
محمود كان معايا، لكنه وقف بره.
قال هستناكي هنا. أي حاجة مش مريحة اطلعي فورًا.
هزيت راسي ودخلت.
المكان كان بسيط أبيض وهادئ، وفيه أصوات ناس بتحاول تتكلم من غير ما تنهار.
وأول ما دخلت القاعة
شوفتها.
ريهام.
كانت قاعدة على كرسي في آخر الصف، ماسكة كوب شاي، وبتبص للأرض.
مش نفس البنت اللي كانت بتصرخ، ولا اللي كانت بتهدد.
كانت أهدى من كده بكتير لكن في عينيها تعب عميق، تعب اللي صحى متأخر على نفسه.
أول ما شافتني، قامت بهدوء.
مفيش خوف، مفيش تحدي.
بس احترام صامت.
قربت منها.
وقعدنا قدام بعض من غير كلام ثواني طويلة.
هي بدأت أنا
ماطلبتش أشوفك عشان أبرر حاجة.
هزيت راسي بهدوء عارفة.
بلعت ريقها أنا بس كنت محتاجة أقفل الباب اللي مفتوح جوايا.
سكتت لحظة، وبعدين كملت كل اللي حصل خلاكِ ضحية مني، بس أنا كنت ضحية قبل ما أبقى مؤذية.
أنا بصيت لها من غير ما أرد.
لأول مرة ما كنتش شايفة فيها خطر.
كنت شايفة إنسان بيتعلم يتكلم من غير صراخ.
قلت بهدوء أنا مش جاية أفتح الجروح.
رفعت عينيها بسرعة ولا حتى تسامحيني؟
سكت.
لأن السؤال ده ملوش إجابة سهلة.
وبعدين قلت أنا مش هقدر أنسى.
انخفضت عينيها.
كملت بس أقدر أختار إني ما أعيشش جوا اللي حصل طول عمري.
سكتت.
وبعدين دموعها نزلت بهدوء، من غير انهيار.
وقالت ده كفاية عندي.
لما خرجت، لقيت محمود واقف مستني.
سألني من غير ما يبص قابلتيها؟
هزيت راسي.
مشيت شوية، وبعدين قلت هي مش وحش هي حد اتكسر قبل ما يعرف يمسك نفسه.
محمود ما ردش.
بس بعد ثواني قال وأنتِ؟ بقيتي أحسن؟
وقفت لحظة.
وبصيت للشارع اللي قدامنا، للناس اللي ماشية عادي، للحياة اللي مكملة كأن مفيش حاجة حصلت.
وقلت أنا بقيت أصدق إني ممكن أكمّل حتى لو مش كاملة.
مسك إيدي بهدوء.
ومشينا.
مش كأن كل حاجة اتصلحت.
لكن كأن أول مرة البيت الداخلي لكل واحد فينا بدأ يقف على رجليه تاني مرت شهور بعدها من غير أي صوت عالي.
لا مكالمات مفاجئة ولا زيارات غير متوقعة ولا أبواب بتتفتح على وجع قديم.
بس الحياة، زي ما بتعرف تهدى بتعرف كمان تختبر الهدوء ده.
في يوم شتوي، السماء كانت رمادية تقيلة، ومطر خفيف بينزل كأنه بيغسل الشوارع من أي ذكرى قديمة.
محمود كان في الشغل، وأنا قاعدة في البيت لوحدي.
لحد ما جالي رسالة على التليفون.
رقم غريب.
محتوى الرسالة كان سطر واحد بس
ما تروحيش المركز النهارده.
قفلت الشاشة بسرعة.
وبصيت حواليا في الشقة.
الهدوء كان مختلف.
مش مريح متوتر.
بعد دقايق، الرسالة جت تاني
أنا مش بهزر. في حاجة هتحصل هناك.
قمت من مكاني.
إيدي كانت بترتعش، لكن مش من الخوف من الإحساس الغريب إن في حاجة بتتحرك في الخلفية من غير ما أشوفها.
اتصلت بمحمود، لكن تليفونه كان مقفول.
وده ماحصلش قبل كده.
قررت أروح المركز.
بس أول ما خرجت من العمارة وقفت مكاني.
عربية شرطة كانت واقفة قدام البوابة.
وقلبت الدنيا في ثانية.
جريت ناحية هناك، لكن قبل ما أوصل، لقيت واحد من الأمن خارج بسرعة، ووشه مرعوب.
قلتله في إيه؟
بصلي وقال في واحدة من النزلاء حاولت تهرب من شوية. وفي حريق صغير في المخزن.
سكتت لحظة.
وبعدين قلبي وقع.
اسمها إيه؟
تردد ثواني.
وبعدين قال ريهام.
الدنيا سكتت.
مش سكتت حواليا سكتت جوايا.
لما وصلت للمكان، كان فيه دخان خفيف لسه في الهوا.
الناس بتجري، وأصوات تعليمات، وضباط بيحاولوا يسيطروا على الوضع.
ومحمود كان هناك.
واقف في نص الفوضى.
وبيزعق فينها؟ فين أختي؟!
قربت منه.
أول ما شافني، مسك دراعي بقوة مش موجودة هربت.
بلعت ريقي هربت؟!
هز راسه الرسالة اللي وصلتك دي كانت محاولة تشتيت.
سكت.
وبعدين قال بصوت واطي في حاجة مش مفهومة حد ساعدها.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
وبصيت ناحية المبنى المحترق جزئيًا.
وحسّيت لأول مرة من زمان
إن القصة اللي افتكرنا إنها خلصت لسه فيها صفحة مستخبية.
بعد ساعتين، اتفتح تحقيق رسمي.
ومحاضر اتكتبت.
وشهادات اتجمعت.
لكن أهم جملة سمعتها في آخر اليوم كانت من ضابط كبير وهو بيقول لمحمود
اللي حصل مش هروب عشوائي دي كانت خطة من جوه المركز.
محمود بصلي.
وأنا بصيت له.
وكل واحد فينا فهم نفس الفكرة في نفس اللحظة
ريهام ماكنتش لوحدها.
وفيه حد تاني لسه بيحرك الخيوط من غير ما يبان الخطوات كانت بتقرب بهدوء مخيف كأن صاحبها عارف إن كل اللي في السطح مش هيهرب.
الكل اتلفت ناحية الباب الخلفي.
الضابط مسك سلاحه بحذر، ومحمود شدني وراه خطوة.
ريهام ما اتحركتش.
بس عينيها اتغيرت بقت مركزة بشكل مرعب، كأنها مستنية اللحظة دي من زمان.
الباب اتفتح.
وطلع شخص واحد بس.
مفيش صدمة في ملامحه
بالعكس، كان هادي زيادة عن اللزوم.
راجل في أواخر الأربعينات، لابس جاكيت غامق، وشنطة جلد صغيرة في إيده.
أول ما شافنا، ابتسم.
ابتسامة مش مريحة.
وقال بصوت منخفض أخيرًا كل العيلة اتجمعت.
محمود بص له بحدة إنت مين؟!
الراجل ما ردش عليه.
عينه راحت لريهام.
وقال أنا كنت فاكر إنك هتفضلي تلومي نفسك أكتر من كده.
ريهام شدّت نفسها للأمام خطوة إنت اللي لعبت في كل حاجة مش كده؟
سكت لحظة.
وبعدين قال بهدوء أنا بس كنت بشوف النتيجة.
الضابط اتدخل بسرعة إنت متهم باختراق مركز إعادة تأهيل وتهريب نزلاء
الراجل قاطعه بإشارة بإيده أنا مش بهرب حد أنا بوجّههم.
الكلمة كانت أبرد من الهوا.
محمود صرخ توجّه مين؟ أخواتي؟ حياتنا؟!
الراجل بص له لأول مرة أنت فاكر إن اللي حصل في بيتكم كان صدفة؟ الغضب السكوت الحوادث كل ده كان بيتبني خطوة خطوة.
قرب خطوة.
ومع كل خطوة كان الضابط بيرفع سلاحه أكتر.
بس الراجل وقف فجأة وقال لو ضربتني، هتفضل الحقيقة مدفونة زي ما كانت طول السنين اللي فاتت.
سكت.
وبعدين طلع من الشنطة ملف صغير.
ورماه على الأرض.
الملف اتفتح مع الهوا.
وصورة وقعت قدام رجلينا.
صورتنا إحنا.
أنا ومحمود وبيت قديم.
وتحتها ملاحظات مكتوبة بخط صغير جدًا.
ريهام همست ده بيتنا القديم
الراجل هز راسه مش بيتكم بس ده كان موقع تجربة.
الدنيا اتسحبت من تحت رجلي.
محمود بص له بعدم فهم تجربة إيه؟ إنت بتخرف!
الراجل ابتسم تجربة على العنف داخل العائلات إزاي بيتحول الألم لعدوى وإزاي الضحية ممكن تتحول لمرآة للجاني.
سكت لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي خلت الدم يبرد
وريهام كانت أول نجاح غير مقصود.
ريهام رجعت خطوة لورا.
أول مرة أشوف الخوف الحقيقي في عينيها.
إنت كداب
الراجل بص لها بهدوء ولا يوم كذبت عليكِ. أنا بس سيبتكِ تعيشي تجربتك لوحدك.
الضابط صرخ كفاية كلام! إنت متحبس
لكن قبل ما يكمل
الراجل رفع إيده فجأة.
وقال بهدوء شديد أنا مش هنا عشان أهرب أنا هنا عشان أقفل الملف.
سكت.
وبعدين بص لنا واحد واحد.
وقال بس الإغلاق مش دايمًا بيكون لطيف.
وفجأة
نور السطح كله قطع.
ظلام كامل.
وصوت حاجة وقعت على الأرض.
وبعدين
صرخة واحدة.
مش عارفين مين.
لكنها كانت كفاية تخلي كل اللي فينا يفهم إن اللحظة اللي جاية مش هتكون نجاة سهلة لأي حد محمود شدّ على إيدي كأنه بيحاول
يتأكد إني حقيقية وسط اللي بيحصل.
حد إيه؟ إنتِ بتقولي إيه؟
الضابط كان واقف قريب، سمع الجملة، وبص لنا بنظرة جادة التحقيق لسه في أوله بس في كاميرات اتعطلت قبل الحادثة بدقايق. وده مش طبيعي.
الكلمة دي لوحدها كانت كفاية تخلي أي أمل في الصدفة ينهار.
اتلفتُ حواليّا.
المركز كان شبه خلية نحل مضروبة في قلبها. ناس بتجري، أوراق بتتسحب، وأصوات بتعلى وتنخفض.
بس أنا عيني وقعت على حاجة صغيرة على الأرض.
محمود لاحظ بصري.
نزل بسرعة ورفعها.
كانت بطاقة تعريف بلاستيك مكسورة من النص.
قلبها، وبعدين وشه اتغير.
دي مش بتاعة المركز دي بتاعة حد إداري.
الضابط قرب منه وريني.
أخدها منه، وبص فيها ثواني.
وبعدين قال جملة خلت الجو يتجمد الاسم ده مش موظف هنا ده كان متسجل استشاري خارجي من شهر واحد بس.
رفعت عيني استشاري في إيه؟
سكت لحظة.
وبعدين قال إعادة تأهيل حالات العنف وخصوصًا الحالات اللي ليها تاريخ عائلي معقد.
محمود بصلي بسرعة يعني إيه الكلام ده؟
لكن قبل ما الضابط يرد
جهاز اللاسلكي بتاعه رن.
صوت متوتر جاي من الطرف التاني لقينا بصمة كاميرا مفعلة في السطح وفي حركة فوق حد لسه جوه المبنى.
الكل اتلفت ناحية السلم.
والهوا بقى تقيل بشكل يخنق.
طلعنا بسرعة.
أنا، محمود، والضابط وفريق صغير.
السلم كان ضيق، والأنوار بتومض.
كل خطوة كانت بتعمل صوت كأنها بتفضحنا.
ولما وصلنا للسطح
مفيش حد.
بس فيه باب حديد مفتوح.
والريح داخلة خارجة كأنها بتتنفس.
محمود دخل أول واحد، وأنا وراه.
وفجأة
سمعنا صوت.
صوت بطيء هادي مألوف.
كنتوا متوقعين إني أهرب؟
قلبي وقع.
ريهام.
بس الصوت كان جاي من مكان مش واضح.
لفينا حوالينا بسرعة.
لحد ما شفناها.
واقفة عند حافة السطح، ضهرها لنا.
وشعرها بيتحرك مع الهوا.
محمود صرخ ابعدي عن الحافة!
لكنها ما اتحركتش.
قالت بهدوء أنا ما هربتش أنا خرجت عشان أفهم مين لسه بيحركني من ورا الستار.
سكتت لحظة.
وبعدين لفّت وشها.
وشها كان هادي بشكل يخوف.
مش انهيار ولا جنون.
وعي كامل.
وقالت أنا اكتشفت حاجة في المركز في تسجيلات مش بتتسجل في الملفات الرسمية.
الضابط قرب خطوة إنتِ بتقولي إيه؟
رفعت إيديها ببطء، وقالت في حد كان بيستفيد من إننا نظل متكسرين.
محمود بص لها بعدم فهم مين؟
ريهام بصّت لنا واحد واحد.
وبعدين قالت الجملة اللي فتحت باب جديد في القصة كلها
اللي كان بيستغلنا مش واحد غريب. ده حد من جوه العيلة طول الوقت.
الصمت نزل علينا زي حجر.
ومحمود همس مستحيل
لكن ريهام أشارت ناحية الأسفل، ناحية المكان اللي جينا منه.
وقالت لو نزلتوا دلوقتي هتفهموا إن اللي حصل في البيت زمان ماكانش صدفة. ولا غلطة. كان مخطط.
وفجأة
صوت خطوات طلع من باب السطح الخلفي.
ببطء.
تقيل.
وكأن اللي جاي مش مستعجل يستخبى تاني الظلام كان تقيل بشكل يخنق.
مش مجرد إطفاء نور ده كان إحساس إن السطح نفسه اتقفل علينا.
الضابط رفع صوته كل واحد في مكانه!
محمود مسكني جامد، وسمعت نفسه متقطع جنب ودني.
الهواء اتحرك فجأة.
وصوت خطوات جريت ناحية اليمين.
وبعدين صوت خبطة قوية في الحديد.
الراجل كان بيتحرك في الضلمة كأنه شايفنا كلنا.
وفجأة
نور الطوارئ اشتغل.
أحمر خافت.
وبمجرد ما الدنيا ابتدت تبان
مفيش حد كان في نفس المكان.
الضابط
واقف عند الباب الخلفي، سلاحه مرفوع، لكنه بيبص حواليه بارتباك.
محمود كان جنبي
لكن ريهام كانت اختفت.
قلبي وقع.
ريهام؟!
ناديت بصوت عالي.
مفيش رد.
السطح كله فاضي غيرنا.
الملف اللي كان على الأرض اتحرك مع الهوا، وورقة منه اتعلقت في السور.
قربت بسرعة، ومسكتها.
كانت ورقة مكتوب فيها بخط صغير
اللي بيحرك اللعبة مش واحد ده نظام كامل.
محمود بصلي هي راحت فين؟
الضابط دخل بسرعة على اللاسلكي اقفلوا كل المخارج! في حد اختفى على السطح!
لكن فجأة
سمعنا صوت جاي من تحت، من درج الطوارئ.
صوت خطوات سريعة وجري.
محمود جري ناحية الباب، وأنا وراه.
نزلنا السلم بسرعة، لحد ما وصلنا للدور اللي تحت السطح.
وكان فيه باب مفتوح.
والهوا بيعدي منه كأنه بيستعجلنا.
دخلنا.
الأوضة كانت مخزن صغير مليان ملفات قديمة وأجهزة متكسرة.
لكن اللي شد انتباهي
كان شاشة كمبيوتر شغالة.
والفيديو شغال عليه.
صورتنا.
نفس اللحظة اللي كنا فيها فوق السطح متصورة من زاوية مختلفة.
محمود بصلي إزاي؟!
وفجأة صوت الراجل طلع من سماعة صغيرة قلتلكوا أنا مش بلعب لوحدي.
الضوء في الشاشة انعكس على وشه في تسجيل جديد كان ظاهر فيه وهو واقف جوه نفس الغرفة.
لكن مش لوحده.
كان واقف معاه شخص تاني.
ظل بس ملامحه مش واضحة.
بس الصوت
كان صوت مألوف بشكل مستحيل.
صوت محمود.
أنا بصيت له.
هو بصلي.
الاتنين في نفس اللحظة قالوا لا
والشاشة فجأة فصلت.
والباب اتقفل علينا من برّه.
وصوت المفاتيح اتسمع بيتلف ببطء.
ثم صوت الراجل قال من وراء الباب الملف الحقيقي لسه ما اتفتحش.
وفي نفس اللحظة
محمود مسك دماغه فجأة.
وقال بصوت مكسور أنا فاكر المكان ده قبل كده
وبصلي.
وبعدين قال الجملة اللي قلبت كل اللي فات
أنا دخلت هنا قبل ما نقابل ريهام أصلًامحمود كان واقف كأنه بيحاول يمسك ذاكرته قبل ما تقع منه.
إيده على دماغه، ووشه شاحب أنا فاكر كنت هنا قبل ما أعرفك قبل ما أعرف أي حاجة.
قربت منه بخوف إزاي يعني؟
الضوء في الغرفة كان بيرعش، والصوت برّه الباب بيحاول يلف المفتاح أكتر.
محمود بلع ريقه وقال أنا مش أول مرة أدخل المركز ده أنا كنت جاي هنا
في تحقيق قديم من سنين.
سكت لحظة، كأن الكلام بيطلع بالعافية.
وكان فيه اسم نفس الاسم اللي في الملفات نفس الراجل اللي فوق بس ساعتها قالوا إن الموضوع اتقفل.
برا الباب، الصوت وقف فجأة.
سكوت تام.
وبعدين صوت خطوات بتبتعد.
كأنه استسلم.
لكن جوه الغرفة، الحقيقة كانت بتتفتح لأول مرة.
محمود بصلي أنا كنت جزء من حاجة واتمسحت من ذاكرتي أو اتقالّي إنها اتقفلت بس واضح إنها مااتقفلتش.
قربت من الشاشة اللي لسه فيها آخر فريم من الفيديو.
وشفت لحظة سريعة قبل ما الشاشة تسود
شخص واقف ورا محمود في التسجيل.
مش ظله.
شخص تاني.
نفس الهيئة بس مش هو.
همست مين ده؟
محمود رجع خطوة مش عارف بس واضح إنه كان بيعيش مكاني وقتها.
الصمت وقع.
وفجأة، الباب اللي اتقفل علينا
اتفتح من غير صوت.
الضوء دخل من برّه.
ومفيش حد.
لا الراجل، ولا أي حد.
الضابط ظهر في آخر الممر وهو بينادي المكان اتأمّن مفيش حد هنا!
لكن اللي كان غريب
إن كل الملفات اللي كانت على الأرض اتشالت.
كأن الغرفة ما حصلش فيها حاجة من الأساس.
بعدها بيومين.
القضية اتقفلت رسميًا.
حادث أمني داخل منشأة خاصة.
ولا ذكر لاسم ريهام. ولا الرجل الغريب. ولا حتى التسجيل.
كل حاجة اتشالت من الأوراق زي ما لو ما حصلتش.
لكن أنا عارفة الحقيقة.
ومحمود عارفها.
بس كل واحد فينا بيخاف يقولها بصوت عالي.
في آخر ليلة قبل ما نسافر من المدينة دي، محمود قالي أنا مش عايز أفتكر اللي حصل هناك.
بصيت له وقلت ومين قال إننا هننسى؟
سكت.
وبعدين قال بهدوء المهم نكمل وإحنا عارفين إن في حاجة كانت بتحاول تتحكم فينا ومانجحتش.
مسك إيدي.
المرة دي كانت إيده ثابتة.
وخرجنا من البيت اللي اتفتح فيه كل الجروح
من غير ما نلاقي إجابة واحدة كاملة.
بس لأول مرة
من غير ما نلاقي حد بيحركنا من ورا الستار.
والشارع قدامنا كان مفتوح.
مش واضح.
مش مضمون.
لكن حقيقي.
ونحن كملنا المشي.