زوجي ل أماني السيد

في الليلة دي، بعد ما قال جملته الباردة وقفل شنطته كأنه بيقفل باب الكلام كله، حسيت إن حاجة جوايا ماتت. ماصرختش، وماعيطتش، حتى العتاب اختفى فجأة، كأن قلبي تعب من كتر ما حاول يثبت إنه يستحق يتحب ويتشاف ويتحسب من ضمن العيلة. سابني وخرج يكمل كلامه مع إخوته وهو بيضحك، وأنا فضلت قاعدة على طرف السرير أبص للحيطة قدامي وكأني بشوف عمري كله بيتعاد قدام عيني. افتكرت أول سنة جواز لما كنت أجهز نفسي كل ما أسمعه بيقول إنهم خارجين، وأفضل مستنية منه كلمة يلا البسي، لكنه كان دايمًا يسيبني في آخر لحظة بحجة جديدة. مرة يقول الخروجة رجالي، ومرة المكان زحمة، ومرة أخويا عازمنا ومش هينفع آخد حد. ومع كل مرة كنت أقنع نفسي إن أكيد نيته مش وحشة، وإنه يمكن اتربى على كده، وإن الأيام هتغيره لما يحس إني زوجته وشريكة عمره مش مجرد حد قاعد في البيت مستنيه يرجع.
لكن الأيام مكانتش بتغيره كانت بتكشفه أكتر.
كان بيرجع من خروجاته محمل بالضحك والهدايا الصغيرة لولاد إخوته، ويحكي عن المطاعم والكافيهات والسفرات، وأنا أقعد أسمع بابتسامة مكسورة كأني ضيفة على حياته مش صاحبة البيت. حتى لما كنت أطلب نخرج لوحدنا، كان يقلب الموضوع لخناقة عن المصاريف والضغوط والشغل، بينما نفس الأسبوع ألاقيه دافع آلاف في عزومة كبيرة لأهله أو رحلة بحرية معاهم. كنت بحاول أصدق إن الظروف هي السبب، لكن الحقيقة كانت أوضح من أي تبرير هو ببساطة شايف إن وجودي عبء على راحته، وإنه لما يكون مع

أهله عايز يعيش كأنه أعزب، بلا زوجة ولا مسؤوليات.
في السفرية الأخيرة دي، حاجة جوايا اتكسرت نهائي. طول الليل كنت ماشية في الشقة زي الغريبة، أبص على صوري معاه، على هدومي اللي اشتريتها مخصوص عشان أي سفر ممكن يجمعنا، على الشنطة الجديدة اللي عمري ما استخدمتها، وأقول لنفسي هو أنا ناقصة إيه؟ كنت زوجة محترمة، عمري ما قللت منه قدام حد، واقفة جنبه في الضيق قبل الفرح، استحملت تقصيره، بروده، غيابه، وكل مرة كنت بقول أكيد بكرة يتغير. لكن الحقيقة المؤلمة إن اللي يحبك ما يخبّيكش، واللي يفتخر بيك ما يستعرش من وجودك.
سافر وهو متوقع إني كالعادة هزعل يومين وأسكت. لكن المرة دي كانت مختلفة. أول يوم بعد سفره صحيت الصبح، بصيت لنفسي في المراية، ولأول مرة شوفت ست مرهقة جدًا، عينيها مطفية، وروحها مستنزفة وهي بتحاول تاخد حق طبيعي جدًا إنها تتحسب زوجة. لبست ونزلت أتمشى لوحدي، حاجة عمري ما كنت بعملها. دخلت كافيه صغير، طلبت قهوة، وقعدت أبص للناس. لقيت ستات مع جوازهم بيضحكوا، وأطفال بيجروا حوالين أهلهم، وحسيت بغصة رهيبة. مش غيرة لا، كان وجع على نفسي. وجع السنين اللي ضاعت وأنا بستجدي اهتمام المفروض يجي لوحده.
رجعت البيت وفتحت دولابي، وبدأت أطلع كل الحاجات اللي كنت مأجلاها لما نخرج، الفساتين الجديدة، الشنط، البرفانات، وحتى الباسبور اللي مطلعاه من سنين ومفيش ختم واحد عليه. قعدت أعيط وقتها بحرقة، مش عليه على نفسي. على الست اللي كانت فاكرة إن الصبر هيغير حد مش شايف قيمتها أصلًا.
ولما رجع من السفرية بعد يومين، دخل البيت وهو متوقع يشوفني مكشرة شوية وبعدين الأمور تهدى. لكنه اتصدم لما لقاني هادية بشكل مخيف. لا سألت راح فين، ولا عمل إيه، ولا حتى بصيت في وشه. حاول يهزر كعادته، لكني كنت مختصرة جدًا. فضل يومين يحاول يستفزني عشان أتكلم وأطلع اللي جوايا، لكني كنت خلاص وصلت لمرحلة أخطر من الزعل مرحلة البرود.
وفي ليلة، وهو قاعد بيتفرج على التلفزيون، قلتله بهدوء أنا عايزة أشتغل.
بصلي باستغراب وقال تشتغلي ليه؟ ناقصك حاجة؟
ابتسمت لأول مرة من شهور بس كانت ابتسامة وجع، وقلت أيوه ناقصني نفسي.
الجملة نزلت عليه تقيلة. حاول يضحك ويعدي الكلام، لكني كملت وقلتله إني قدمت بالفعل في مكان قريب واتقبلت. اتعصب جدًا، مش عشان الشغل، لكن عشان لأول مرة أخد قرار من غير إذنه أو موافقته. قال كلام كتير عن البيت والولاد وإن الست مكانها بيتها، لكني لأول مرة ما خفتش من صوته ولا زعله. كنت حاسة إني لو مرجعتش لنفسي دلوقتي، هضيع للأبد.
بدأت الشغل، ومع الوقت بدأت أرجع للحياة. بقيت أخرج، أتعرف على ناس، أضحك من قلبي، أجيب لنفسي حاجات من غير ما أمد إيدي لحد. والأهم بقيت أشوف نفسي بعين مختلفة. اكتشفت إني مش قليلة، ولا تقيلة، ولا عيب يخجل منه قدام أهله. العيب الحقيقي كان في واحد اتعود يشوف مراته مضمونة مهما كسر فيها.
وهو بدأ يلاحظ التغيير بالتدريج. بقى يرجع يلاقيني مش مستنياه على الباب، ومش مهتمة أسأله رايح فين وجاي منين. حتى غيرتي اللي كان بيشتكي منها اختفت، وده خوفه أكتر من أي خناقة. مرة سألني بعصبية إنتِ مبقتيش تغاري عليا ليه؟
بصيتله بهدوء وقلت الإنسان بيغير على الحاجة اللي حاسس إنها بتاعته فعلًا.
ومن يومها وهو اتغير أو حاول يتغير. بدأ يعزمني يخرجني، يجيبلي هدايا، يقولي نسافر لوحدنا. لكن الغريب إن كل الحاجات اللي كنت بحلم بيها زمان مبقتش تفرحني بنفس الطريقة. لأن الكرامة لما تتكسر، حتى لو اتصلحت، بيفضل الشرخ باين.
وفي يوم، بعد شهور طويلة من الشد والجذب، قالي إن أهله عاملين رحلة جديدة وإنه حجزلي معاه من غير حتى ما أسأله. كنت زمان ممكن أطير من الفرحة، لكني وقتها كنت قاعدة بشتغل على اللابتوب بتاعي، رفعت عيني ليه وقلت بهدوء معلش عندي شغل ومش هعرف أروح.
اتصدم. قال يعني بعد ما بقيت عايزك معايا، إنتِ اللي بترفضي؟
ابتسمت وقلتله الجملة اللي غيرت كل حاجة أنا مبقتش مستنية حد ياخدني معاه أنا بقيت أعرف آخد نفسي وأمشي لوحدي.
سكت طويل وبصلي بنظرة عمره ما بصهالي قبل كده نظرة خوف. لأنه لأول مرة يحس إن الست اللي كانت بتجري وراه بقت قادرة تعيش من غيره، وإن الإهمال اللي كان فاكره عادي خلق بينه وبينها مسافة كبيرة جدًا.
وفي الليلة دي، وهو نايم جنبي، كنت أنا صاحيه أبص للسقف وأفكر مش كل الستات بيمشوا لما كرامتهم تتوجع، في ستات بيفضلوا، لكن بيتغيروا من جواهم لدرجة تخلي الرجوع مستحيل حتى وهم لسه موجودين بنفس البيت. وأنا كنت واحدة من الستات دي.
بعد الليلة دي،
لمحة نيوز

البيت كله بقى هادي بشكل غريب، هدوء يخوف أكتر من ألف خناقة. هو كان فاكر إن الأيام هتصلح اللي اتكسر، وإن كام خروجة وكلمتين حلوين ممكن يرجعوا الست اللي كانت بتستناه بالساعات وتفرح لمجرد إنه يبصلها بحنية. لكنه ماكنش فاهم إن في حاجات لما بتنكسر مبتتصلحش، بتتغير شكلها للأبد. وأنا فعلًا كنت اتغيرت.
بقيت أصحى الصبح لنفسي، ألبس لنفسي، أشتغل لنفسي، وحتى ضحكتي بقت طالعة من مكان تاني غير المكان اللي كان متعلق بيه. ولأول مرة من سنين، حسيت إني بني آدم كامل مش تابع لحد. الغريب إن كل ما كنت بقوى، هو كان بيضعف أكتر. بقى يراقبني بعينه طول الوقت، يسألني رايحة فين، بتكلمي مين، ليه بقيتي مبتحكيش تفاصيل يومك زيه زمان. وأنا كنت برد عادي جدًا، من غير تحدي ولا استفزاز، لكن برودى كان بيقتله.
وفي مرة، كنت واقفة قدام المراية بلبس عشان نازلة الشغل، لقيته داخل عليا وساكت شوية، وبعدها قال بصوت واطي هو إنتِ خلاص مبقتيش محتاجاني؟
السؤال وجعني رغم كل حاجة. لأن الحقيقة إني عمري ما كنت عايزة أستغنى عنه، أنا كنت بس عايزة أحس إني مراته فعلًا مش حمل زيادة على حياته. بصيتله وقتها وقلت أنا كنت محتاجاك أوي بس كل مرة كنت بمد إيدي كنت بترجعني خطوة لورا.
واضح إن الجملة فضلت ترن في دماغه أيام. بدأ يحاول يقرب أكتر، يقعد معايا، يكلمني عن شغله، حتى أمه اللي كانت دايمًا بتتعامل معايا إني دخيلة على العيلة، بقت فجأة تتصل تسأل عليا وتبعتلي أكل وحلويات. كنت حاسة إنهم كلهم بدأوا يقلقوا بعد ما حسوا إني بقيت بعيدة فعلًا، وإن الست اللي كانوا ضامنين سكوتها بدأت تفوق لنفسها.
لكن الحاجة اللي قلبت كل شيء حصلت بعد حوالي ست شهور.
في يوم، وأنا في الشغل، جالي إشعار على الفيسبوك إن في صور جديدة متضافه. دخلت بالصدفة، ولقيت صورة كبيرة متعلقة في فرح بنت خالته صورة عائلية ضخمة فيها كل العيلة واقفين بيضحكوا، الرجالة والستات والأطفال إلا أنا.
أنا ماكنتش موجودة أصلًا.
وقفت أبص للصورة وقلبي بيدق بعنف. مش لأنهم متصورين من غيري، لا لكن لأنهم أصلًا ماكانوش حتى شايفين وجودي ضروري. يومها افتكرت كل مرة كنت أتحجج له وأقول أكيد الظروف، أكيد صدفة، أكيد نسي. لكن الصورة دي كانت أوضح اعتراف بالحقيقة أنا طول عمري كنت خارج الصورة حرفيًا.
رجع البيت لاقاني قاعدة ساكتة بشكل مرعب. حاول يحكيلي عن يومه، لكني وريته الصورة من غير كلمة. أول ما شافها اتوتر، وقعد يقول إنه كان فاكر إني مشغولة وإن التصوير حصل بسرعة. لكني المرة دي ما سكتش. لأول مرة في جوازنا كله، انفجرت.
قلتله بصوت كله وجع سنين أنا تعبت! تعبت من إني كل مرة أحاول أقنع نفسي إن ليا مكان عندك! إنت عمرك ما شفتني فرد من عيلتك، كنت دايمًا حاسس إني دخيلة! حتى في أسعد لحظاتكم أنا مش موجودة!
كان واقف مصدوم، وأنا بكمل والدموع بتنزل غصب عني إنت عارف أصعب إحساس إيه؟ إن الست تحس إنها بتترجى حقها الطبيعي إن جوزها يفتخر بيها. أنا بقيت بحس إني عبء عليك، وإنك بتتنفس أحسن لما أكون بعيدة.
ولأول مرة شوفته بيعيط.
قعد على الكنبة وحط إيده على وشه وقال بصوت متكسر أنا ظلمتك والله ظلمتك. أنا اتربيت طول عمري إن الراجل لما يكون وسط أهله يعيش بحريته، والست تفضل في البيت. كنت فاكر إني كده طبيعي ومخدتش بالي غير لما حسيت إنك بتبعدي فعلًا.
لكن المشكلة إن الاعتراف المتأخر ساعات بييجي بعد ما القلب يخلص طاقته.
عدت أيام وإحنا ساكتين. هو بيحاول يصلح، وأنا بحاول أفهم نفسي. لحد الليلة اللي صحيت فيها الفجر، لقيته قاعد في البلكونة لوحده. قربت منه بهدوء، لقيت في إيده صور قديمة لينا. أول سنة جواز، أول خروجة، أول عيد. كان باصص للصور كأنه بيشوف ناس ماتوا.
قالي من غير ما يبصلي إنتِ فاكرة الصورة دي؟ يومها كنا في مطعم صغير وأنتِ فضلتي تضحكي عشان الأكل اتحرق.
افتكرت فعلًا يومها كنت سعيدة بشكل بسيط جدًا. مكانش عندي طلبات كبيرة، بس كان عندي أمل.
بصلي وقتها بعين كلها ندم وقال أنا ضيعتك بإيدي.
الجملة وقفت الزمن جوايا. لأن لأول مرة يحس فعلًا بالخسارة. مش خوف إنه يخسر خدامة البيت أو الست اللي بتستحمله لا، حس إنه خسر إنسانة كانت بتحبه بصدق نادر.
ومن بعدها بدأ يعمل حاجات عمره ما عملها. بقى يرفض خروجات أهله لو أنا مش موجودة. بقى ياخدني معاه في أي مناسبة حتى لو بسيطة. لأول مرة سافرنا لوحدنا، وقعد طول الطريق يحاول يضحكني كأنه بيعوض سنين كاملة. لكن الحقيقة المؤلمة إن الإنسان لما بيتوجع كتير، جزء منه بيموت للأبد.
وفي آخر ليلة في السفر، كنا قاعدين قدام البحر. كان الجو هادي، وصوت الموج عالي، وفجأة قالي قوليلي الحقيقة إنتِ لسه بتحبيني؟
السؤال كان صعب بشكل مايتوصفش. لأن الحب موجود لكن تعبان. مرهق. مليان ندوب.
بصيت للبحر طويل وقلتله أنا بحبك بس الحب لوحده مش كفاية. في حاجات لما بتتكسر مبتعرفش ترجع زي الأول.
سكت وقت طويل، وبعدها قال بهدوء أنا مستعد أفضل أصلح اللي عملته طول عمري.
وقتها بس فهمت حاجة مهمة جدًا إن بعض الرجالة ما بيفوقوش إلا لما يحسوا إن الست فعلًا ممكن تمشي، وإن الطيبة الزايدة ساعات بتخليهم يستهينوا بالنعمة اللي في إيديهم. وأنا كنت طول السنين بدي من غير ما أحط حدود، لحد ما هو اتعود إن وجودي مضمون.
رجعنا من السفر، والحياة كملت لكن بشكل مختلف. بقيت أقوى، وهو بقى أهدى. بقيت أحب نفسي الأول، وهو اتعلم أخيرًا إن الزوجة مش قطعة أثاث في البيت، ولا اسم بيتكتب في البطاقة. الزوجة روح كاملة، لو اتكسرت مرة بعد مرة، ممكن تفضل عايشة بنفس المكان لكن بقلب غريب عمره ما يرجع زي الأول.
وأقوى حقيقة اتعلمتها من كل اللي حصل إن الست مش بتموت من قلة الحب، الست بتموت من الإحساس إنها مش مهمة. من الإحساس إنها آخر الاختيارات، وإن وجودها وعدمها واحد. ولما الست توصل للمرحلة دي، يا إما بتنهار يا إما بتصحى.
وأنا يومها صحيت.
صحيت متأخر لكن أخيرًا عرفت قيمتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *